+
أأ
-

د. محمد بني سلامة : تصدعات النظام العالمي: حين لا تسقط الدول من الخارج بل من داخلها

{title}
بلكي الإخباري

 

عالم يتغير… ونظريات لم تعد تكفي (1_3)

لم يعد النظام العالمي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قابلًا للفهم عبر إطار واحد أو نظرية شاملة تفسر مجمل التحولات الجارية. فالعالم الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة، والذي بدا لفترة وكأنه يتجه نحو استقرار تقوده قوة مهيمنة واحدة، دخل اليوم مرحلة أكثر تعقيدًا واضطرابًا، تتسم بتداخل العوامل وتسارع التغيرات. لم تعد الصراعات واضحة المعالم أو محصورة بين معسكرين، بل أصبحت متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والطاقة بالتكنولوجيا، والمعلومة بالهوية، والداخل الوطني بالخارج الدولي.

في هذا السياق، لم تعد المفاهيم التقليدية كافية لتفسير ما يحدث. فالنظام الدولي لم يعد قائمًا على توازنات مستقرة، بل على حالة دائمة من التفاعل والتوتر، حيث تتقاطع الأزمات وتؤثر في بعضها البعض بشكل متسارع. ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع قوى، بل إعادة تشكيل عميقة لبنية النظام العالمي ذاته، حيث تتغير قواعد اللعبة باستمرار، وتفقد النماذج القديمة قدرتها على التفسير.

لقد حاولت الأدبيات السياسية خلال العقود الماضية تقديم نماذج لفهم هذه التحولات. ومن أبرزها أطروحة "صدام الحضارات” لصموئيل هنتنغتون، التي افترضت أن خطوط الصراع المستقبلية ستتشكل على أساس ثقافي وديني. وقد اكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل تصاعد النزاعات ذات البعد الهوياتي، إلا أنه لم يتمكن من تفسير التعقيد الحقيقي للعالم الراهن. فالتجربة أثبتت أن التصدعات داخل الحضارة الواحدة—السياسية والاجتماعية والاقتصادية—قد تكون أكثر عمقًا وتأثيرًا من التصدعات بينها، وأن الدول لا تتحرك فقط بدوافع ثقافية، بل وفق شبكة معقدة من المصالح والتفاعلات.

في المقابل، قدم إيمانويل تود قراءة مختلفة ركزت على العوامل الداخلية للمجتمعات، مثل البنية الديموغرافية، ومستويات التعليم، والتماسك الاجتماعي، والقدرة الإنتاجية. ومن هذا المنظور، فإن تراجع القوى الكبرى، وخاصة الغربية، لا يعود فقط إلى صراعات خارجية، بل إلى تآكل داخلي تدريجي يتمثل في ضعف المؤسسات، وتراجع الثقة، وتفكك البنية الاجتماعية. ورغم عمق هذا الطرح، إلا أنه بدوره لا يقدم صورة مكتملة، إذ يقلل من أهمية العوامل الجيوسياسية والتكنولوجية التي أصبحت اليوم في صلب معادلة القوة.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة تحليلية أكثر شمولًا، تتجاوز التفسيرات الأحادية، وتتعامل مع الواقع العالمي بوصفه منظومة من التصدعات المتداخلة. فالعالم اليوم لا تحكمه أزمة واحدة، بل مجموعة من الأزمات المتزامنة التي تتفاعل فيما بينها، بحيث يمكن لأي خلل اقتصادي أن يتحول إلى اضطراب اجتماعي، وأي ضعف تكنولوجي أن يصبح ثغرة أمنية، وأي انقسام داخلي أن يضعف قدرة الدولة على اتخاذ القرار أو التأثير الخارجي.

في هذا الإطار، لم يعد الانهيار نتيجة ضغوط خارجية فقط، بل نتيجة فقدان التماسك الداخلي. فالدول لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد قدرتها على إدارة مواردها، أو تعجز عن تحقيق التوازن بين مكوناتها، أو تفشل في بناء رؤية استراتيجية واضحة. وهذا ما يجعل مفهوم القوة نفسه في حاجة إلى إعادة تعريف؛ فلم يعد مرتبطًا فقط بالحجم أو الإمكانات، بل بالقدرة على إدارة التعقيد والتكيف مع التحولات.

إن العالم ينتقل اليوم من مرحلة "الاستقرار النسبي” إلى مرحلة "التصدعات المستمرة”، حيث لا توجد حالة توازن دائمة، بل ديناميكيات متغيرة تتطلب من الدول مرونة عالية وقدرة على التكيف. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم ليس من الأقوى، بل من الأكثر قدرة على فهم ذاته، وإدارة تحدياته، والحفاظ على تماسكه في بيئة دولية مضطربة.

ففي عالم لم يعد يُحكم بقواعد ثابتة، تصبح القدرة على قراءة التحولات واستباقها هي الفارق الحقيقي بين الدول التي تصمد وتلك التي تتراجع.