تونس.. وجهة مفضلة للمتقاعدين الإيطاليين في البحر الأبيض المتوسط

تستقطب تونس المزيد من المتقاعدين الإيطاليين الذين يختارون الاستقرار في هذا البلد الجميل. حيث يقضي باسكال، المتقاعد الإيطالي، أيامه في محافظة نابل الساحلية. ويفصح عن قراره بالاستقرار هناك قائلا: "سأموت هنا. سأقضي نهاية أيامي هنا". هذا الاختيار لم يكن عشوائيا، بل جاء نتيجة لتشابه الثقافة وخصوصية الحياة في تونس مع بلده الأم.
أضاف باسكال موضحا: "كنت أعلم أنني سأجد تقريبا نفس ظروف العيش… نفس الروح المتوسطية". من خلال زواجه من تونسية، عزز ارتباطه بالبلد، مما جعل تجربته أكثر عمقاً. ومع ذلك، لا يخفي باسكال بعض التحديات، حيث يشير إلى البيروقراطية كأحد أبرز الصعوبات التي واجهها.
ويؤكد باسكال أن علاقته بالمجتمع المحلي إيجابية، حيث لديه الكثير من الأصدقاء. وشدد على أن اختلاف وجهات النظر يمثل ثراء لا عائقا. هذا التوجه نحو الاستقرار يعكس ظاهرة أوسع تتمثل في تزايد عدد المتقاعدين الإيطاليين في تونس، الذين يشكلون الطرف الأوروبي الأكثر حضورا في هذا السياق.
فرص وحوافز ضريبية تجذب المتقاعدين
في إطار هذا السياق، أكد ساندرو فراتيني، رئيس لجنة الإيطاليين بالخارج في تونس، أن العلاقات بين تونس وإيطاليا تمر بمرحلة حيوية. وأوضح أن هناك أكثر من 8 آلاف إيطالي مقيم في تونس، يتركز غالبهم في مدينة الحمامات. وبين فراتيني أن هذه الجالية تمثل ركيزة للتقارب بين البلدين.
وأشار إلى أن الامتيازات الضريبية تعد من أبرز عوامل الجذب. حيث لا تتجاوز الضرائب على المعاشات في تونس 5%، مقارنة بنحو 30% في إيطاليا. كما يخضع الدخل لنظام تدريجي، مما يعزز القدرة الشرائية للمتقاعدين. وهذا يجعل تونس وجهة مفضلة للعديد منهم.
كشفت تقارير صحفية أن الانتفاع بالامتياز الضريبي يعتمد على شروط معينة، مثل عدم الخضوع للضريبة كمقيم ضريبي في تونس في السنوات الخمس السابقة، وأن يكون الشخص مقيما ضريبيا في تونس، بالإضافة إلى امتلاكه منزل هناك. وهذا يفسر إقبال المتقاعدين على شراء أو تأجير المنازل لفترات طويلة.
تأثيرات محلية وتحديات اقتصادية
تظهر الظاهرة بعض التداعيات على المستوى المحلي، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة إقامة الأجانب. ففي مدينة الحمامات، يشير السكان إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الإيجارات. حيث يفضل بعض الملاك تأجير منازلهم للأجانب، نظرا لسهولة التعامل وضمان الدفع.
يقول وسيط عقاري محلي إن التعامل مع الأجانب أسهل بكثير، مما يعكس الوضع الاقتصادي الجديد. ومع ذلك، يسجل البعض تزايد الأسعار كأحد التحديات التي تواجه السكان المحليين. حيث إن وجود المتقاعدين الأوروبيين يمثل فرصة لتعزيز تدفق العملة الصعبة.
من جهة أخرى، حذر النائب في مجلس النواب ياسين مامي من غياب التأطير، مشيرا إلى أن الظاهرة قد تتحول إلى عبء إذا تُركت دون تنظيم. كما أضاف أن ارتفاع أسعار العقارات بدأ يؤثر سلبا على السكان المحليين، مما يثير القلق حول مستقبلهم الاقتصادي.
توازن معقد بين الفرص والتحديات
بين تجربة باسكال الشخصية التي تعكس البحث عن حياة هادئة ومستقرة، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تثيرها هذه الظاهرة، تبدو تونس أمام معادلة معقدة. كيف يمكن الاستفادة من تدفق المتقاعدين الأجانب دون الإخلال بالتوازنات المحلية؟ يبقى هذا السؤال مفتوحا في بلد يُصدّر شبابه نحو الضفة الأخرى من المتوسط، بينما يستقبل متقاعدين أوروبيين اختاروا أن يجعلوا منه محطتهم الأخيرة.



















