تخربج الفوج الأول لخدمة العلم: بداية صناعة الرجال

…
د. دانييلا القرعان
حضور الحسين بن عبد الله الثاني في تخريج الفوج الأول من منتسبي خدمة العلم لم يكن مجرد رعاية رسمية لاحتفال، بل كان رسالة عميقة تختصر معنى الانتماء الحقيقي: أن يكون القائد بين جنوده، وأن يرى في وجوههم امتداداً لمستقبل الوطن، وحين قال سموه: “أقف اليوم هنا وأنا أشعر بفخر جندي وابن جندي” فهذه لم تكن كلمات بروتوكولية، بل خلاصة تجربة بيتٍ تربّى على معنى الشرف العسكري، واستمرارية نهجٍ أرسته قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني التي ما انفكت تؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من عتاد، بل بما تصنعه من رجال.
إن تخريج الفوج الأول من خدمة العلم هو أكثر من نهاية مرحلة تدريب؛ إنه بداية تشكّل وعي جديد لدى الشباب، وعيٌ يدرك أن الانضباط ليس قيداً، بل هو طريق للحرية الحقيقية، حرية أن تكون مسؤولاً، منظماً، وقادراً على مواجهة الحياة بثقة وثبات.
في ميادين التدريب، لم يتعلم هؤلاء الشباب فقط حمل السلاح، بل تعلّموا: كيف يُبنى الفريق على الثقة لا على الفردية، وكيف تتحول الفوضى إلى نظام، وكيف يصبح التعب وساماً حين يكون في سبيل الوطن، هذه التجربة تعيد صياغة العلاقة بين الشاب ووطنه، فخدمة العلم ليست مجرد واجب بل هي مدرسة للرجولة المدنية، تصقل الشخصية، وتعزز قيم الالتزام، وتمنح المجتمع جيلًا يعرف معنى الوقت، ويحترم القانون، ويؤمن أن العطاء لا يُقاس بالكلام بل بالفعل.
إن وجود سمو ولي العهد بين الخريجين، ومشاركته لهم هذا اليوم، يرسخ فكرة أن القيادة ليست بعيدة، بل قريبة من نبض الشباب، حاضرة في تفاصيل طموحهم، ومؤمنة بقدرتهم على البناء. وهذا بحد ذاته دافع مضاعف لكل شاب أن يرى في نفسه مشروع جندي للوطن، مهما كان موقعه أو مهنته.
اليوم، ونحن نحتفي بهذا الفوج، فإننا لا نحتفل بأفراد أنهوا تدريبًا، بل نحتفل ببداية جيلٍ أكثر انضباطاً، وأكثر وعياً، وأكثر جاهزية لحمل المسؤولية، جيلٍ يدرك أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس، وأن القوة الحقيقية تبدأ من الداخل، من النفس التي تعرف واجبها وتؤديه بإخلاص. هنيئاً للوطن بأبنائه، وهنيئاً للخريجين هذا الشرف، وهنيئاً لقيادةٍ تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار.



















