من أوروبا.. الإخوان يتربصون بالبلدان العربية عبر الاستمثار

أسامة درويش
كثيرا ما روّج تنظيم الإخوان المسلمين على مستوى العربي، أنه يحمل همّ الأمة ، ويقدم نفسه كحركة إصلاحية، مستخدما في ذلك، الدين الإسلامي، كغطاء لخدمة مشروع سياسي مغلق.
ويعتمد على شبكات دولية لتمويل العنف، ويستغل الدين لتبرير سعيه إلى السلطة، لكن تاريخه في البلدان العربية، يؤكد تورطه في الفوضى، وتدمير عدة بلدان، فضلا عن تهديده استقرار المنطقة لسنوات طويلة.
ووجد التنظيم الذي ولد في مصر قبل نحو قرن، موطئ قدم في الخليج منذ الأربعينيات، لكن دول المنطقة تحركت على الفور وشددت عليه الخناق، عبر الملاحقات الأمنية، وتصنيفه منظمة إرهابية.
في غضون ذلك، تكشف التقارير عن لجوء التنظيم بعد المحاربة، إلى إعادة بناء شبكاته خارج المنطقة، بعيدا عن الشعارات الأيديولوجية التقليدية التي ارتبطت به لعقود، ومركزا على توظيف أدوات الاقتصاد والاستثمار والأعمال كوسائل أكثر قدرة على الحركة والاختراق واستقطاب الموارد المالية.
ويروج التنظيم من القارة الأوروبية، لبعض الكيانات التجارية على أنها واجهات تمنح التنظيم مساحة للحركة تحت مظلة الأعمال والاستثمار، بعيدا عن الصورة التقليدية للتنظيمات المتطرفة.
أسماء إماراتية
وتتحدث التحقيقات، عن شركتي "ياس للاستثمار والعقار" ، و"نافال كابيتال"، من طرف عبد الرحمن الجابري الهارب إلى بريطانيا والمدرج ضمن قوائم الإرهاب المحلية في الإمارات، وهو نجل حسن منيف الجابري، المدان في قضية "التنظيم السري" الذي استهدف أمن الإمارات واستقرارها.
وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 2025 أدرجت دولة الإمارات عبدالرحمن الجابري والشركتين على قائمة الإرهاب المحلية، في خطوة جاءت ضمن سياسة متكاملة تستهدف تعطيل الشبكات المرتبطة بتمويل الإرهاب وملاحقة أدواته المالية أينما وجدت، وإرهاب تنظيم الإخوان بشكل خاص.
ومع ذلك، يعمل الجابري على مهمة إعادة إحياء تنظيم الإخوان في الخارج، ويتحرّك ضمن شبكة متداخلة من الشركات والعلاقات العائلية التي تضمن السرية وانغلاق الدائرة التنظيمية في محاولة لمنع الاختراقات.
واعتمد الجابري ياس لشركة الاستثمار سنة 2017، وهو الذي يطلق على جزيرة في أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعد واحدة من أبرز الوجهات الترفيهية والسياحية عالميا.
وتشير التقارير، إلى أن استخدام أسماء تحمل دلالات إماراتية، يمنحها قدرا من المصداقية "المزيفة" لدى المستثمرين العرب والخليجيين، خاصة أن الإمارا تتعتبر من أكبر الدول المستضيفة لمقار الشركات العالمية الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها مدينة مثالية لممارسة الأعمال التجارية والاستثمارية، حيث توفر بنيتها التحتية المتطورة ووسائل الاتصال العصرية، والمرافق المتميزة ومساندة الحكومة للشركات العالمية بيئة عمل مناسبة للشركات العالمية لإدارة مكاتبها.
وشهدت خلال السنوات الأخيرة تدفقات مالية متزايدة، مما جعلها تحتل مكانة متقدمة عالمياً في قطاع الاستثمارات الأجنبية. في عام 2023، بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة إلى الإمارات 30.7 مليار دولار، مقارنة بـ 22.7 مليار دولار في 2022، مسجلةً نمواً بنسبة 35%.
ويبلغ حجم الاقتصاد الإماراتي نحو 504 مليارات دولار، فيما يبلغ متوسط نصيب الفرد نحو 83.9 ألف دولار سنويا، بينما احتلت المركز الرابع عالميًا في تصنيف "إنترنيشنز" لأفضل الدول التي يمكن للمغتربين العيش والعمل فيها.
وأظهرت التطورات الأخيرة متانة الاقتصاد الإماراتي، حيث نجح في امتصاص الصدمات والتكيّف معها بمرونة عالية، دون أن يشهد تقلبات في مسارات النمو أو مؤشرات الاستقرار المالي.
ومن هنا استغل الجابري سمعة الإمارات عالميا، لاستنزاف أموال خليجية وتحويلها إلى مشاريع تهدف إلى تفكيك استقرار الدول العربية من خلال دعم أجندات مشبوهة.
أعضاء الشبكة
ويشرف مع الجابري الابن في الشركتين، إبراهيم الزيات، والمعروف في القارة الأوروبية "بوزير مالية الإخوان" والعقل المالي المدبّر وراء الانتشار المؤسسي للتنظيم في أوروبا، والمشرف على شبكة شركات مشبوهة لتمويل أعمال تضر بالأمن الإقليمي والدولي.
ويتولى عددًا كبيرًا من الشركات الدولية التي تُدار تحت مظلة شركة الزيات التجارية، ويركّز جزء كبير من نشاطه التجاري في مجال العقارات، كما يتولى إدارة أوقاف حركة جماعة «ملّي غوروش» الإسلامية.
وتضم أفراد الشبكة التي تدير الشركة، أحمد الشيبة، وهو أيضاً هارب إلى بريطانيا وتربطه علاقة مصاهرة مباشرة مع عبد الرحمن الجابري، ويظهر في قناع "مفكر تربوي" وأكاديمي معتدل، في حين أنه يمارس من وراء هذا القناع نشاطاً ممنهجاً وموجّهاً لتحريض الرأي العام ضد الإمارات ومؤسساتها، لخلخلة السلم المجتمعي.
ويتولى مهمة التنسيق الميداني والسياسي حمد محمد الشامسي، وقد شارك في اجتماعات سرية عُقدت في تركيا ودول أخرى، وضمّت عناصر تنظيمية محكومة وهاربة إلى الخارج، لرسم مخططات التحرّك المشبوه وتجنّب الملاحقات.
في غضون ذلك، يشدد مراقبون، على “ضرورة ملحة لتحصين الساحة الاقتصادية والاجتماعية ورفع منسوب الإدراك الوعيوي لدى المستثمرين بضرورة عدم الانخداع بالأسماء الوطنية الجاذبة، أو الشعارات الخادعة، أو التصاميم الاحترافية للشركات، إذ غالباً ما تكون مجرد واجهات لتضليل المستثمرين ولفت الأنظار بعيداً عن حقيقة الأنشطة الخفية، حيث إن المستثمر قد لا يكون بالضرورة قادراً على معرفة الخلفيات الفكرية أو التنظيمية للقائمين على هذه الكيانات المشبوهة.”
خطر متجذر
في غضون ذلك، يقول الكاتب محمد الدليمي، إن “فكر الجماعة أصلًا لوحده هو بمثابة تحدٍّ لفكرة الدولة الوطنية من خلال عمل هذه الجماعة إلى أسلمة السياسة بكل تصريفاتها الحياتية، وعبور مرتكزات الهوية الوطنية إلى هوية أممية عائمة بالتركيز على ترسيخ مبدأ أن الإسلام دين ودولة، وصبغ العمل السياسي القائم على تحقيق الأهداف بوسائل مختلفة بصبغة دينية بهدف تغيير الثقافة السياسية العربية نحو مفهوم الإسلام السياسي.”
وأضاف أن " سعي الجماعة إلى تحطيم الدولة الوطنية للتمكين والاستيلاء على السلطة من شأنه خلق صدامات طويلة مع نظم الحكم الوطنية وزعزعة استقرار الدول، وقد تجسّد ذلك بصورة جلية عندما سيطرت هذه الجماعة على الحكم في بعض البلدان العربية خلال ما بات يُسمّى بفترة الربيع العربي، مثل مصر وتونس وليبيا." وتابع: “إسهام فكر الجماعة الإخواني في تغيير الهوية والتركيبة الاجتماعية عبر أسلمة المظاهر الاجتماعية وتقسيم المجتمعات بين مؤيد لمشروعها وآخر معارض له لا بد من الانتقام منه، مما يتسبب في تفريخ جماعات وحركات راديكالية متطرفة، مثلما رأينا بالعين المجردة كيف أن فكر الجماعة قد أنتج القاعدة وداعش وحركة الجهاد الإسلامي والشباب المجاهد وغيرها، وجميعها قد اعتنقت أسلوب العنف والإرهاب وتكفير المجتمعات.”
وخلص إلى أن الجميع “أمام جماعة خطيرة ذات فكر مبطن هدّام يعمل على استهداف النسيج الوطني، وتسخير كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في الوصول إلى غاياتها الخفية والعلنية باستخدام أساليب المكر والخداع والتماهي مع أية تغيرات سياسية.”



















