بين التعيين والانتخاب عندما تضيع البوصلة

الكاتب د عاطف نايف زريقات
تضيع البوصلة أحياناً بين التعيين والانتخاب ويستمر الجدل حول أيهما أكثر قدرة على إنتاج إدارة ناجحة وتمثيل حقيقي للناس لكن المشكلة في جوهرها ليست في طريقة الاختيار وحدها بل في المعايير التي تحكم هذا الاختيار وفي وجود الرقابة والمساءلة بعده .
فالتعيين رغم ضرورته في كثير من المواقع يفقد قيمته عندما لا تكون الكفاءة والخبرة والنزاهة هي المعيار الأول والأساسي وتتحول إلى عامل ثانوي أمام العلاقات الشخصية والواسطة والمحسوبية أو المصالح المختلفة . عندها لا يعود الهدف هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب بل يصبح المنصب مكافأة أو وسيلة لإرضاء هذا الطرف أو ذاك وتكون النتيجة في الغالب إدارة ضعيفة وثمنها يدفعه الوطن والمواطن .
وفي المقابل فإن الانتخابات ليست ضمانة تلقائية لاختيار الأكفأ . ففي كثير من المجتمعات قد تلعب الاعتبارات العشائرية والمناطقية وهي الوجه الآخر للانتماءات الضيقة عندما تتقدم على المصلحة العامة دوراً محورياً في تحديد النتائج . وقد تقوم التحالفات على تبادل الأدوار والمصالح بين المجموعات بينما تتراجع الكفاءة والقدرة على خدمة الشأن العام إلى مرتبة ثانوية وهنا قد يجد المرشح الكفؤ نفسه خارج المنافسة لمجرد أنه لا ينتمي إلى عشيرة كبيرة أو منطقة ذات ثقل انتخابي .
وتزداد المشكلة عندما يشعر المسؤول أو النائب بعد نجاحه بأن مهمته الأساسية هي إرضاء قاعدته الانتخابية أو رد الجميل لمن أوصله إلى موقعه بدلاً من أن يكون مسؤولاً أمام جميع المواطنين . فالمنصب العام ليس ملكاً للناخبين الذين منحوا أصواتهم فقط بل هو مسؤولية تجاه المجتمع والوطن بأكمله
ومن دون رقابة مؤسسية فاعلة ومساءلة صارمة تنشأ التحالفات الشخصية والمصلحية داخل المؤسسات ويتحول النفوذ إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة كما أن تحميل أي مؤسسة أو دائرة أعداداً من الموظفين تفوق حاجتها وقدرتها، إرضاءً للضغوط والواسطات هو طريق مباشر إلى الترهل الإداري والفشل وإهدار المال العام .
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال :
هل نختار بالتعيين أم بالانتخاب ؟
بل كيف نضمن أن يكون الاختيار قائماً على الكفاءة والنزاهة والقدرة وأن يخضع الجميع للمحاسبة ؟
إن الديمقراطية الحقيقية لا تعني مجرد صناديق الاقتراع كما أن الإدارة الناجحة لا تعني مجرد إصدار قرارات التعيين كلاهما يحتاج إلى معايير واضحة وشروط موضوعية ومؤسسات رقابية مستقلة وقوانين تطبق على الجميع دون استثناء .
فحين تكون الكفاءة هي المعيار الأول والمساءلة هي القاعدة التي لا يُستثنى منها أحد يصبح التعيين والانتخاب وسيلتين لخدمة الوطن أما حين تحكمهما المحسوبية والعصبية والمصالح الخاصة فإن اختلاف الوسيلة لا يغير كثيراً من النتيجة .
إن بناء دولة المؤسسات يبدأ من الإيمان بأن المنصب العام ليس حقاً مكتسباً ولا مكافأة بل مسؤولية وأمانة وأن نجاح الدول لا يقاس بعدد المناصب التي توزعها بل بقدرتها على اختيار الأكفأ ومحاسبة المقصر ووضع كل إنسان في المكان الذي يستطيع أن يخدم فيه وطنه بأفضل ما لديه .



















