د. حمد الكساسبة : لمشكلة في الشرق الأوسط لم تعد أمن مضيق .. بل أمن شبكة

كلما تعطّل ممر في الشرق الأوسط، كان الرد الطبيعي البحث عن بديل له. لكن الأزمات الأخيرة كشفت مشكلة أعمق: البديل قد يتجاوز نقطة الاختناق من دون أن يخرج من دائرة الخطر. فالطاقة والتجارة لا تتحركان عبر مضيق منفرد، بل داخل شبكة مترابطة من الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البحرية والبرية ومرافق التخزين والاتصالات والتأمين. ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي هو كيف نحمي هرمز أو باب المندب، بل كيف نحافظ على قدرة الشبكة بأكملها على العمل عندما تتعطل إحدى عقدها.
هرمز يوضح حجم المسألة. فخلال عام 2025 مر عبر المضيق في المتوسط نحو 21 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، ما يؤكد بقاءه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ولهذا بنت دول الخليج بدائل تقلل الاعتماد عليه؛ فطورت السعودية خط الشرق–الغرب إلى ينبع، وعززت الإمارات قدرتها على التصدير من الفجيرة خارج المضيق. وتمنح هذه البدائل دول الخليج قدرة أكبر على تخفيف أثر أي اضطراب في حركة هرمز، وعلى تحويل جزء من التدفقات إلى مسارات أخرى.
لكن هنا تظهر المفارقة الأساسية: المشكلة ليست أن البدائل غير موجودة، بل أن معظمها ما يزال يعمل داخل الجغرافيا الأمنية نفسها. فالنفط الذي يتجاوز هرمز عبر خط بري إلى البحر الأحمر يصبح مرتبطاً بميناء آخر وخزانات أخرى ومسار بحري آخر، وقد يرتبط لاحقاً بباب المندب وقناة السويس. وهكذا لا يختفي الخطر، بل يُعاد توزيعه داخل الشبكة. ولذلك لا يكفي أن نسأل إن كان لدينا طريق بديل، بل الأهم أن نعرف إن كانت الشبكة قادرة على الاستمرار إذا تعطلت أكثر من عقدة في الوقت نفسه.
باب المندب يقدم الوجه الآخر للمشكلة. فمنذ اضطرابات البحر الأحمر أواخر 2023، غيرت شركات شحن مساراتها واتجهت حول رأس الرجاء الصالح، فطالت الرحلات وارتفع استهلاك الوقود والحاجة إلى السفن والتأمين. وحتى عندما ينخفض التصعيد، لا تعود حركة التجارة فوراً إلى وضعها السابق، لأن شركات الشحن والتأمين والمستثمرين يعيدون حساب المخاطر على أساس ما حدث وما يمكن أن يحدث مجدداً. وهذا يعني أن أثر الأزمة قد يستمر اقتصادياً حتى بعد أن تتراجع حدتها أمنياً.
من هنا تظهر كلفة يمكن وصفها بـ«ضريبة الجغرافيا». وهي ليست ضريبة تفرضها حكومة، بل كلفة تفرضها المخاطر على الاقتصاد: تأمين أعلى، وشحن أطول، ومخزون أكبر، وتمويل أكثر كلفة، وتأخير في التسليم. والأهم أن هذه الضريبة لا تبدأ فقط عندما يُغلق الممر؛ فيكفي أن يرتفع احتمال الإغلاق حتى تدخل المخاطر في أسعار التأمين وقرارات الاستثمار وسلاسل التوريد. وهكذا قد تدفع اقتصادات المنطقة ثمن الاضطراب حتى في الأيام التي تبقى فيها الموانئ والمضائق مفتوحة.
وهذا يجعل أمن الشبكة قضية تتجاوز النفط. فدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تبني استراتيجياتها المستقبلية على الصناعة والخدمات واللوجستيات والسياحة والتجارة ضمن مسارات واسعة لتنويع الاقتصاد. وهذه القطاعات تحتاج إلى وصول مستقر إلى الأسواق بقدر حاجتها إلى التمويل والبنية التحتية. فإذا أصبحت طرق التصدير والشحن أكثر عرضة للمخاطر، ارتفعت كلفة التنويع نفسه. ومن هنا يصبح أمن الممرات جزءاً من القدرة التنافسية للاقتصاد، لا مجرد ملف دفاعي أو نفطي.
ويظهر البحر الأحمر والساحل اليمني بوضوح كيف أصبحت الجغرافيا المحلية جزءاً من معادلة اقتصادية أوسع. فأي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى داخل حدود دولة واحدة، بل ينتقل إلى طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، وإلى كلف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد. ولذلك لا يمكن فصل أمن المضيق عن أمن الموانئ والسواحل وخطوط الطاقة والاتصالات والطرق التي تغذيه. فحماية السفينة عند نقطة العبور، مع بقاء بقية المنظومة مكشوفة، لا توفر أمناً اقتصادياً كاملاً.
ولهذا تحتاج المنطقة إلى الانتقال من مفهوم «البديل الوطني» إلى مفهوم «المرونة الإقليمية». والمرونة لا تعني إنشاء خط أنابيب آخر أو ميناء جديد فقط، بل بناء شبكة يمكن التحويل داخلها بين أكثر من ميناء وخط أنابيب وطريق بري، مع قدرات تخزين واتصال ومعلومات لوجستية وخطط طوارئ تعمل بصورة متكاملة. فالشبكة بطبيعتها عابرة للحدود، ولذلك لا يمكن أن تكون مرونتها حاصل سياسات وطنية منفصلة فقط، بل تحتاج إلى حد أدنى من التنسيق الإقليمي في النقل والطاقة والتخزين والاستجابة للطوارئ.
وهنا تكشف أزمة الممرات جانباً آخر من ضعف التكامل الاقتصادي العربي. فالمنطقة تمتلك موانئ وخطوط أنابيب وطرقاً ومراكز لوجستية مهمة، لكنها ما تزال تعمل، في جانب كبير منها، كأصول وطنية أكثر من كونها أجزاءً من شبكة إقليمية واحدة. والفرق كبير بين تعدد البدائل وتكاملها؛ فالأول يوفر خيارات، أما الثاني فيوفر القدرة على تحويل التجارة والطاقة بينها بسرعة عند الأزمات. ولذلك قد يكون أمن الشبكة أحد أكثر الأوجه العملية للتكامل الاقتصادي العربي في المرحلة المقبلة.
المعادلة الجديدة، إذن، ليست من يحمي هرمز أو من يؤمّن باب المندب منفرداً، بل من يستطيع بناء شبكة تمتص الصدمة قبل أن تنتشر. فالبدائل المتعددة لا تصنع المرونة وحدها؛ ما يصنعها هو قدرة هذه البدائل على العمل معاً عندما تتعطل إحدى حلقات الشبكة. وفي اقتصاد أصبحت فيه قرارات الشحن والتأمين والاستثمار أكثر حساسية للمخاطر، فإن تأمين نقطة واحدة وترك بقية المنظومة مكشوفة لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى مكان آخر. والمشكلة في الشرق الأوسط لم تعد أمن مضيق؛ لقد أصبحت أمن شبكة


















