خطاب جلالة الملك.. وضوح في الرؤية وثبات في الموقف

الدكتور سلامة النعيمات رئيس جامعة مؤتة
جاء خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في توقيت دقيق تمر فيه المنطقة بظروف بالغة التعقيد، الأمر الذي أعطى للخطاب أهمية تتجاوز المناسبة نفسها، ليكون تعبيراً واضحاً عن رؤية الأردن تجاه ما يجري، وعن موقفه من القضايا التي تمس أمن المنطقة ومستقبلها.
ما لفتني في الخطاب هو وضوحه وبساطة الفكرة التي انطلق منها جلالة الملك: لا يمكن الوصول إلى الأمن والاستقرار من خلال التعامل مع نتائج الأزمات وترك أسبابها قائمة. وهذه مسألة تؤكدها التجربة التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الماضية، حيث أدت الأزمات التي لم تجد حلولاً حقيقية إلى مزيد من التعقيد والمعاناة.
وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في صلب الخطاب، كما هي دائماً في الموقف الأردني. وقد أكد جلالة الملك أن ما يجري في غزة والضفة الغربية لا يمكن أن يصبح واقعاً معتاداً يتعامل معه المجتمع الدولي مع مرور الوقت، وأن استمرار معاناة الفلسطينيين، والاستيطان والتهجير ومحاولات تغيير الواقع على الأرض، لا يمكن أن يقود إلى سلام حقيقي.
ومن المهم، في هذا السياق، أن يبقى النقاش حول القضية الفلسطينية قائماً على أساس حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. فالسلام الذي لا يعالج أصل المشكلة سيبقى سلاماً مؤجلاً، والاستقرار الذي لا يقوم على العدالة لن يكون مستقراً بالمعنى الحقيقي.
وفي المقابل، كان واضحاً في خطاب جلالة الملك أن الأردن يتحدث أيضاً من موقع الدولة التي تعرف أولوياتها وتحافظ على مصالحها. فالأمن الوطني الأردني ليس منفصلاً عما يجري في الإقليم، والأحداث المحيطة بالأردن تفرض متابعة دقيقة وحذرة، خصوصاً فيما يتعلق بالحدود والمياه وأمن الدولة واستقرارها.
وأعتقد أن هذه نقطة أساسية في فهم السياسة الأردنية؛ فتمسك الأردن بالحوار والدبلوماسية لا يعني بأي حال من الأحوال التهاون في حماية مصالحه. بل إن قوة الموقف الدبلوماسي تنبع من وضوح ما تريد الدولة الحفاظ عليه، ومن قدرتها على التعبير عن ذلك بوضوح ومسؤولية.
كما أن حديث جلالة الملك عن القانون الدولي ومصداقية النظام الدولي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية حقيقية. فالقوانين والاتفاقيات لا تكون فاعلة إذا بقي تطبيقها مرتبطاً بظروف كل قضية أو بمواقف الدول منها. والعدالة، حتى تكون مقنعة، يجب أن تكون واحدة في معيارها ومبادئها.
وفي تقديري، فإن قيمة الخطاب الملكي تكمن أيضاً في أنه لم يتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة؛ فما يحدث في فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها يترك آثاره على الأمن والاقتصاد وحركة التجارة والطاقة والمياه وحياة الناس. ولذلك فإن الوصول إلى الاستقرار يتطلب معالجة شاملة للأسباب التي تقف وراء هذه الأزمات، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
لقد تحدث جلالة الملك أمام العالم بلغة واضحة، تجمع بين الحرص على السلام والتمسك بالحقوق، وبين الانفتاح على الحوار والوضوح في حماية المصالح الوطنية. وهي معادلة أعتقد أنها تعبّر عن طبيعة الموقف الأردني الذي ظل قائماً على الاعتدال، دون أن يعني ذلك التنازل عن الثوابت.
ومن موقعي الأكاديمي، أرى أن قراءة خطاب جلالة الملك مهمة لأنها تضع أمامنا صورة واضحة للأردن كما هو: دولة تسعى إلى السلام والاستقرار، وتتحمل مسؤولياتها تجاه قضايا المنطقة، وفي الوقت نفسه تدرك أن حماية أمنها ومصالحها الوطنية هي مسؤولية لا يمكن تأجيلها.
وهذا، في تقديري، هو جوهر الخطاب: السلام الذي يسعى إليه الأردن لا ينفصل عن العدالة، والانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية، والتمسك بالمبادئ لا يتعارض مع الواقعية في التعامل مع متغيرات المنطقة.
إنها رؤية أردنية واضحة، عبّر عنها جلالة الملك أمام العالم، وتؤكد أن الأردن سيبقى حاضراً في قضايا المنطقة، حريصاً على أمنه واستقراره، ومتمسكاً بالحلول السياسية التي تقود إلى سلام عادل ودائم.


















