الوطن والهوية الأردنية فوق كل الانتماءات… والكرك تضعنا أمام مسؤوليتنا الوطنية

بقلم: الدكتور فوزان العبادي
الأمين العام لحزب التغيير
لم تكن الجريمة النكراء التي شهدتها محافظة الكرك مجرد اعتداء على أرواح بريئة أو على دار عبادة، بل كانت اعتداء على جوهر الهوية الأردنية، وعلى منظومة القيم التي قامت عليها دولتنا، وعلى تاريخ طويل من العيش المشترك الذي لم يكن فيه الأردني يعرّف بدينه أو عشيرته أو أصوله، بل بانتمائه إلى وطن واحد يجمع الجميع. إن ما جرى في الكرك يدفعنا إلى طرح سؤال وطني عميق: هل يكفي أن نتوحد عند وقوع المصائب، أم أن مسؤوليتنا الحقيقية تقتضي بناء وعي وطني يحصّن المجتمع قبل وقوعها؟
نحن بحاجة اليوم إلى ما هو أبعد من بيانات الاستنكار والإدانة، رغم أهميتها؛ بحاجة إلى مراجعة جادة لخطابنا المجتمعي، وإلى إعادة ترسيخ مفهوم الهوية الأردنية باعتبارها الأساس الذي يجمع أبناء الوطن، بعيدا عن التصنيفات والانتماءات الضيقة. فالأردني أردني، لا تزيد من أردنيته عشيرته، ولا تنتقص منها منطقته، ولا يحدد مكانته أصله أو دينه أو انتماؤه الفكري. المسلم والمسيحي شريكان في الوطن، كما أن اختلاف الأصول والمنابت والخلفيات الثقافية لا يصنع درجات متفاوتة من المواطنة. فالوطنية ليست امتيازا تمنحه جماعة لأخرى، وإنما انتماء إلى دولة واحدة، وحقوق وواجبات متساوية تحت سقف الدستور والقانون. إن الاعتزاز بالعشيرة أو المنطقة أو الجذور التاريخية حق مشروع، بل يمثل جزءاً من تاريخ وتراث المجتمع الأردني، ولكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات إلى معايير للتمييز أو الإقصاء أو التشكيك بانتماء الآخرين. فالهوية الأردنية لا تلغي خصوصيات أبنائها، لكنها تظل فوق كل الانتماءات، ولا يجوز أن تتحول اختلافاتنا إلى حدود تفصل بين أبناء الوطن الواحد. وهنا تبرز مسؤولية وطنية كبرى تتجاوز المؤسسات الأمنية، التي تضطلع بدورها في حماية المجتمع والتصدي للجريمة والتطرف، لتشمل مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. إن مواجهة الفكر المتطرف لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى مواجهة فكرية وتنويرية مستمرة، تبدأ من الإنسان نفسه، ومن البيئة التي تشكل وعيه ومفاهيمه ونظرته إلى الآخر.
ومن هنا، أرى ضرورة إطلاق مشروع وطني تنويري شامل لإعادة ترسيخ مفهوم المواطنة والهوية الأردنية .تتشارك فيه الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والثقافية، ويقوم على ثلاثة مسارات أساسية.
أولا، بناء خطاب أردني موحد يتجاوز التصنيفات الدينية والعشائرية والمناطقية والأصول والمنابت، ويؤكد أن المواطنة المتساوية هي أساس العلاقة بين الأردنيين، وأن الاختلاف في المعتقد أو الثقافة أو الفكر لا يعني الاختلاف في الحقوق والواجبات أو الانتماء للوطن.
ثانيا، إطلاق حملة فكرية وتنويرية تستهدف الشباب والمجتمع المحلي، من خلال الجامعات والمدارس والمنتديات واللقاءات الحوارية والأنشطة المجتمعية، تتصدى لثقافة الإقصاء والتعصب، وتعيد الاعتبار لقيم التسامح والتعددية واحترام الآخر، وتنتقل من الخطاب النظري إلى الممارسة المجتمعية الحقيقية.
ثالثا .إعادة تعريف المواطنة في الوعي المجتمعي، ليس باعتبارها مجرد وثيقة رسمية أو انتماء جغرافي، بل باعتبارها علاقة متكاملة من الحقوق والواجبات والمسؤولية المشتركة، يكون فيها احترام الآخر وحماية كرامته وحريته جزءاً أصيلاً من الواجب الوطني. وهنا أؤكد أن الأحزاب السياسية مطالبة بأن تتجاوز دورها التقليدي في العمل الانتخابي، وأن تتحول إلى مؤسسات لإنتاج الوعي الوطني، وصناعة الثقافة المدنية، وتعزيز التماسك المجتمعي. فالحزب الحقيقي لا يكتفي بالحديث عن الإصلاح السياسي، بل يساهم في بناء الإنسان القادر على حماية هذا الإصلاح وصونه.
إننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم التعايش بوصفه مجرد قبول بوجود الآخر، إلى مفهوم الشراكة الوطنية الكاملة حيث لا يشعر أي أردني بأنه أقل انتماءً أو حقوقاً أو مكانةً بسبب دينه أو أصله أو عشيرته أو أفكاره. فالأردن ليس مجموعة من المكونات المتجاورة التي يجمعها المكان، وإنما وطن واحد يجمع أبناءه المصير المشترك والمسؤولية المشتركة، في ظل الدولة الأردنية ومؤسساتها وقيادتها الهاشمية.
وإذا كانت أحداث الكرك قد كشفت بشاعة الفكر المتطرف، فإن مسؤوليتنا اليوم ألا نسمح لهذه الجريمة بأن تتحول إلى مجرد ذكرى مؤلمة، بل أن نجعل منها دافعاً لإطلاق مشروع وطني يعيد الاعتبار للهوية الأردنية، ويحصّن الأجيال القادمة من خطاب الكراهية والتعصب والانقسام.
فالوطن للجميع، والمسؤولية مشتركة، والهوية الأردنية ليست عنواناً لفئة، بل انتماء لكل الأردنيين. وفي النهاية، علينا أن ندرك حقيقة لا تقبل المساومة:
لا يوجد أردني أكثر أردنية من أردني آخر، ولا يحتاج أي مواطن إلى إثبات انتمائه من خلال دينه أو عشيرته أو أصله. فالأردن وطن الجميع، ومن يحاول تقسيم أبنائه إلى فئات ودرجات، إنما يسيء إلى جوهر الهوية الأردنية التي تجمعنا.
رحم الله شهداء الكرك ، وشفى المصابين، وحفظ الأردن وطنا آمنا موحداً بأبنائه جميعا وبقيادته الحكيمة.















