الدكتور قاسم العمرو :- المسيحيون الأردنيون ليسوا مستأمنين عند أحد.. كفى عبثاً بمفهوم المواطنة وحقوق الأردنيين!

إن إدانة الاعتداء الآثم على المواطنين المسيحيين في كنيسة الروم الأرثوذكس في قربة حمود الوادعة في شمال شرق الكرك واجب ديني وأخلاقي ووطني، لكن من الضروري أيضاً التوقف عند بعض التوصيفات التي، وإن انطلقت من إدانة العنف، لا تنسجم مع حقيقة الدولة الأردنية الحديثة ومفهوم المواطنة الدستورية.
المسيحيون الأردنيون ليسوا مستأمنين عند المسلمين، ولا يعيشون في هذا الوطن بمنّة من أحد، ولا يحتاجون إلى إذن من أي فرد أو جماعة كي يتمتعوا بحقوقهم. إنهم مواطنون أصيلون، شركاء في بناء الدولة، وفي تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله، ولهم ما لسائر المواطنين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، وفق الدستور والقانون.
إن مفهوم «المستأمن» الذي ورد في منشور لـ اياد قنيبي، مهما كانت خلفيته الفقهية، لا يجوز أن يتحول إلى توصيف للعلاقة بين مواطنين متساوين في دولة وطنية دستورية؛ فالعلاقة التي تجمع الأردنيين ليست علاقة حماية يمنحها طرف لطرف، ولا علاقة أغلبية تمنح الأقلية حق الوجود، بل علاقة مواطنة متساوية تحكمها الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون.
والأردن، بقيادته الهاشمية، لم يؤسس على منطق الفرز الديني بين أبنائه، بل على وحدة المجتمع وتماسكه، وعلى شراكة الأردنيين في حماية وطنهم وصون استقراره. وقد نصت المادة السادسة من الدستور الأردني صراحة على أن الأردنيين أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.
ومن هنا، فإن حماية المسيحي الأردني ليست منّة من المسلم، كما أن حماية المسلم ليست منّة من المسيحي..فحماية المواطنين واجب الدولة، والمساواة حق دستوري، والكرامة الإنسانية ليست امتيازاً تمنحه جماعة دينية لجماعة أخرى.
أما الدعوة إلى الدين، فتبقى شأناً تحكمه حرية الاعتقاد والاحترام المتبادل، ولا يجوز أن تُستخدم لتكريس تصور يجعل مواطنا وصيا على آخر هذا منطق اعوج ومتخلف. فالمواطن لا تُقاس مكانته في وطنه بعقيدته، ولا تتحدد حقوقه بمدى قربه من دين الأغلبية أو موافقته لها.
إن مواجهة الفكر المتطرف مسؤوليتنا جميعا في الجامعة والمدرسة والمسجد والكنيسة، و لا تقتصر على إدانة الجريمة بعد وقوعها، بل تتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة المواطنة الكاملة، ورفض كل خطاب يعيد إنتاج التراتبية الدينية في المجال العام، ولو جاء في ثوب الوعظ أو التذكير بالنصوص الدينية. فالدين لا ينبغي أن يكون غطاءً للانتقاص من كرامة المواطنين، ولا بديلاً عن الدستور والقانون في تنظيم العلاقة بينهم.
إننا في الأردن، في ظل القيادة الهاشمية، بحاجة إلى خطاب وطني واضح لا يكتفي برفض الاعتداء على الكنائس والمواطنين، بل يؤكد أن الكنيسة والمسجد كلاهما جزء من النسيج الوطني، وأن الاعتداء على أي مواطن بسبب دينه اعتداء على أمن المجتمع وكرامته ووحدة الدولة.
الأردن دولة مواطنة وقانون، لا دولة تصنيفات دينية. والمسيحي الأردني ليس ضيفاً في وطنه، والمسلم ليس وصياً عليه، فكلاهما مواطن، والوطن يجمعهما، والدستور يحفظ حقوقهما، والقانون فوق الجميع.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وصان وحدته الوطنية، وأدامه وطناً آمناً لجميع أبنائه، مسلمين ومسيحيين، تحت راية واحدة ودستور واحد وقانون يسري على الجميع.
*استاذ مساعد/ جامعة البترا
*ناشر موقع وطنا اليوم الاخباري
*رئيس جمعية أثر للديمقراطية والحوكمة














