+
أأ
-

د. مريم الشديفات تكتب: عبدالله الثاني.. سرديّة القيادة حين يصبح الوطن فكرةً أخلاقية

{title}
بلكي الإخباري

بقلم: الدكتورة مريم الشديفات

في لحظاتٍ نادرة من التاريخ، لا يُقاس القادة بأعمارهم الزمنية، بل بما يتركونه من أثرٍ في الوعي الجمعي، وبما يصوغونه من معنى للوطن في زمن الاضطراب، وفي الثلاثين من كانون الثاني، لا نستعيد ذكرى ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفها مناسبةً احتفالية فحسب، بل بوصفها محطةً للتأمل في سرديّة قيادةٍ تشكّلت على مهل، وتعمّدت أن تجعل من الدولة مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون كيانًا سياسيًا.

وُلد جلالة الملك عبدالله الثاني في عمّان عام 1962، منحدرًا من السلالة الهاشمية التي حملت عبر التاريخ عبء الفكرة قبل سلطة الحكم، ورسّخت في التجربة الأردنية نموذجًا للقيادة المتوازنة بين الشرعية التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة. ولم يكن هذا الإرث امتيازًا رمزيًا بقدر ما كان مسؤوليةً مفتوحة على تحديات الداخل والخارج.

منذ تولّيه سلطاته الدستورية، لم يتعامل جلالته مع الحكم بوصفه إدارةً للأزمات فحسب، بل بوصفه هندسةً بعيدة المدى لبناء الإنسان، باعتباره جوهر الدولة وغايتها، فالاستثمار في التعليم، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ مفاهيم سيادة القانون، شكّلت جميعها ركائز لرؤيةٍ ترى في الاستقرار شرطًا للتقدّم، لا نقيضًا له.

وفي إقليمٍ مثقل بالتحوّلات والانكسارات، حافظ الأردن في عهد جلالته على تماسكه السياسي والاجتماعي، مقدّمًا نموذجًا لدولةٍ تعرف كيف تحمي نفسها دون أن تنغلق، وكيف تنحاز لقضايا العدل دون أن تفرّط بأمنها الوطني، وقد ظلّ موقفه من القضية الفلسطينية ثابتًا، أخلاقيًا وسياسيًا، بوصفها بوصلة الحق التاريخي، لا مجرّد ملف تفاوضي عابر.

إن قراءة تجربة الملك عبدالله الثاني لا تكتمل من خلال الخطابات وحدها، بل من خلال ذلك الحضور الهادئ الذي جعل من القيادة فعلًا يوميًا، ومن المسؤولية العامة سلوكًا أخلاقيًا متواصلًا، حضورٌ لا يعلو بالصوت، بل يرسخ بالفعل، ويصوغ معنى الدولة في وعي مواطنيها قبل مؤسساتها.

في ميلاد جلالة الملك، يجد الأردنيون أنفسهم أمام مناسبةٍ تتجاوز المجاملة البروتوكولية إلى تجديد عقدٍ غير مكتوب، قوامه الثقة المتبادلة، والعمل المشترك، والإيمان بأن الأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالرؤية، والصبر، والانحياز الدائم للإنسان.

هكذا، لا يكون ميلاد عبدالله الثاني ذكرى عابرة في تقويم الزمن، بل لحظةً متجدّدة في سردية وطنٍ اختار أن يكون ثابتًا في زمن السيولة، وواضحًا في زمن الالتباس، ومتمسكًا بفكرته الأخلاقية وسط عالمٍ يزداد قسوة.

*الدكتورة مريم شديفات/نادي معلمي المفرق.