أ.د. محمد الفرجات يكتب : بعد عقد ونصف، ماذا كانت أوامر الملك في الربيع العربي؟

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الدول بحجم شعاراتها، بل بقدرتها على حماية مجتمعها من الانقسام، وحماية وطنها من الانهيار، وحماية دماء أبنائها من أن تُستباح في الشوارع.
وفي زمن الربيع العربي، حيث انفجرت المنطقة دفعة واحدة تحت ضغط سياسي واجتماعي واقتصادي متراكم، وانهارت أنظمة، وتفتت دول، وتحوّل الاحتجاج في كثير من البلدان إلى حرب أهلية أو صراع مسلح أو فوضى ممتدة…
كان الأردن حالة مختلفة، ليس لأنه كان بعيدًا عن الضغوط، بل لأنه واجهها بعقل الدولة وبروح الأسرة الواحدة، وبقيادةٍ رحيمة قرأت الشارع قبل أن تحكم عليه.
وبعد عقدٍ ونصف تقريبًا من تلك المرحلة، بات من حق الأردنيين أن يتأملوا: كيف تعامل الملك مع الربيع العربي؟ وما الذي جعل الأردن يتجاوز العاصفة بهدوء وسلام؟
الإجابة، ببساطةٍ وعمق، تتلخص في مفهوم واحد: الإنسان أولًا… ثم الدولة… ثم الإصلاح المستمر.
أولاً: إنسانية القيادة… فحين كانت الدماء هي خط الدفاع الأول
في دول كثيرة، وكانت الاستجابة للحراك الشعبي هي “الأمن أولًا” بمعناه الضيق: قمع، اعتقالات واسعة، رصاص، كراهية، وإشعال صراع بين الدولة والمجتمع.
فلقد كان الموقف الملكي واضحًا منذ البداية:
حماية المتظاهرين وسلامتهم أولا وآخرا… لا نريد كسر المجتمع… لا نريد أن تتحول المطالب إلى معركة وجود.
لم يُعامل المتظاهرون باعتبارهم “أعداء”، بل باعتبارهم أبناء الوطن الذين يعبّرون عن وجعٍ وقلقٍ ورغبة في تحسين حياتهم.
وهذا فارقٌ أخلاقي سياسي هائل، لأنه يحدد طبيعة المرحلة:
هل تتحول إلى حرب؟ أم إلى فرصة تصحيح؟
ومن هنا جاءت واحدة من أهم الرسائل العملية في تلك المرحلة:
أوامر الملك بحماية المتظاهرين، وضمان سلمية المشهد، وعدم الانجرار إلى التصعيد.
بل إن الصورة التي رسخت في ذاكرة الأردنيين – والتي قد يراها البعض تفصيلًا بسيطًا – كانت ذات دلالة عميقة:
توجيهات بتوفير الماء والعصير للمتظاهرين.
هذه ليست “لفتة بروتوكولية”، بل عقلية قيادة تعرف أن من يقف في الشارع هو مواطنٌ أردني، لا خصمٌ سياسي، وأن الدولة القوية لا تُثبت قوتها بإذلال الناس، بل بإدارة غضبهم بعقلٍ ورحمة.
إنها “الهاشمية” بمعناها التاريخي:
قوة الدولة مع رحمة الإنسان.
ثانيًا: نهج الآباء والأجداد… وحدة الشعب خط أحمر
الأردن لم يكن يومًا دولة مصطنعة في عقل قيادته، بل دولة مشروع ورسالة وهوية، بناها الهاشميون على فكرة جامعة:
الأردن وطن للجميع… والناس شركاء… والفتنة هي العدو الأكبر.
لذلك، كان الملك في الربيع العربي يتمسك بمنهج واضح:
حماية وحدة الشعب
منع الانقسام الاجتماعي
رفض التحريض بين مكونات المجتمع
عدم السماح بتحويل الخلاف السياسي إلى شقاق اجتماعي
ولعل أهم ما فعله الملك في تلك الفترة هو أنه لم يسمح بأن يتحول الأردن إلى ساحة “تصفية حسابات” بين تيارات داخلية أو أجندات خارجية، ولم يسمح أن يتحول الشارع إلى ساحة “ثأر سياسي”، بل كان الهدف الدائم:
تنفيس الاحتقان، وفتح مسارات الإصلاح، ومنع الانزلاق.
هذه مدرسة سياسية كاملة:
أن تكون الدولة “موجودة” بين الناس لا “متحصنة” ضدهم.
ثالثًا: أوامر للحكومة… انزلوا للشارع قبل أن ينفجر الشارع،
بينما كانت واحدة من أعظم مشكلات الدول الأخرى في لحظات الغليان هي أن الحكومات تنعزل وتعيش داخل مكاتبها، فتفاجأ حين تتحول الشكوى إلى غضب، والغضب إلى أزمة.
في الأردن، كانت التوجيهات الملكية للحكومة والمؤسسات واضحة في معناها: الحوار… النزول إلى الناس… الاستماع المباشر… فهم الحاجات من مصدرها.
لم يكن المطلوب من الوزراء والمحافظين والمسؤولين أن يكتفوا بالتقارير، بل أن يعيدوا بناء العلاقة مع المواطن:
لماذا يغضب الناس؟
ما الذي يؤلمهم؟
ما الذي يطلبونه؟
أين الخلل؟
كيف تُحل المشكلات ويحترم الناس؟
كان الملك يعرف أن الدولة ليست فقط “قرارات”، بل “ثقة”، وأن الثقة لا تُشترى، بل تُبنى بالصراحة والعمل والمتابعة.
رابعًا: الملك بين المدن… فالأردن ليس عمّان فقط
في الأزمات، كثير من القادة يتحدثون من العاصمة، بينما المحافظات تعيش واقعًا مختلفًا: بطالة، تراجع خدمات، نقص فرص، شعور بالتهميش.
لذلك جاءت جولات الملك على المدن الأردنية كجزء من فلسفة الحكم، لا كحدث إعلامي: الملك يذهب إلى الناس، لا ينتظر الناس أن يأتوا إليه.
ومن يقرأ تفاصيل تلك المرحلة يلاحظ أن لقاءات الملك لم تكن مع النخب وحدها، بل مع:
ممثلي المدن
ممثلي القرى
أبناء البوادي
وجهاء العشائر
ممثلي المخيمات
الشباب
المرأة
النقابات
القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية
هذه الرسالة وحدها كانت كافية لتفكيك التوتر:
أن الناس يشعرون أن “رأس الدولة يسمعهم”.
خامسًا: الحوار مع الجميع… لأن الأردن لا يُدار بالإقصاء…
أخطر ما يقتل الدول هو الإقصاء السياسي والاجتماعي، لأن الإقصاء يصنع تطرفًا، ويحوّل الخلاف إلى كراهية.
ولهذا كانت فلسفة الملك تقوم على قاعدة ذهبية: لا أحد خارج الوطن… ولا أحد خارج الحوار.
الحوار لم يكن ترفًا سياسيًا، بل كان ضرورة أمن قومي.
وحين يجلس الملك مع ممثلي القطاعات كافة، فهو يرسل رسالة مفادها:
الدولة ليست ضد المجتمع
والمجتمع ليس ضد الدولة
والاختلاف لا يعني العداء
والمطالب لا تعني الخيانة
وهكذا بقيت الدولة الأردنية متماسكة، لأن “الجسور” لم تنقطع بين القيادة والناس.
سادسًا: إصلاحات دستورية وسياسية… عندما تتحول المطالب إلى قرارات
الميزة الأهم في التعامل الملكي مع الربيع العربي أنه لم يكن مجرد “احتواء غضب”، بل كان تحويل اللحظة إلى فرصة إصلاح حقيقي.
ومن هنا جاءت الأوامر الواضحة باتجاه:
1) تعديلات دستورية
بما يعزز توازن السلطات، ويطوّر الحياة السياسية، ويؤسس لمرحلة جديدة من البناء الدستوري.
2) تحديث سياسي
يشمل تطوير قوانين وأطر المشاركة، وتعزيز دور المؤسسات، وإعادة بناء الثقة في العملية السياسية.
3) تحديث إداري
لأن الدولة لا تُصلح فقط بالسياسة، بل بإصلاح الجهاز التنفيذي الذي يمس حياة الناس يوميًا:
خدمات
إجراءات
عدالة في التوظيف
كفاءة
مكافحة بيروقراطية
محاربة الفساد
4) تحديث اقتصادي
بهدف مواجهة جذور الأزمة الاجتماعية:
بطالة، فقر، غلاء، تفاوت تنموي بين المحافظات.
5) تحديث قضائي
لأن العدالة هي صمام الأمان الحقيقي، ولأن المواطن لا يشعر بالأمان إلا عندما يثق أن حقه محفوظ بالقانون.
والأهم من ذلك كله: أن هذه التحديثات لم تكن مجرد “أوراق”، بل كانت مرتبطة بفكرة المتابعة والتنفيذ.
سابعًا: كل لقاء كان يخرج بمتابعة… التنمية ليست خطابات
كان من اللافت أن لقاءات الملك مع ممثلي المحافظات والقطاعات لم تكن لقاءات “استماع فقط”، بل كانت تتبعها توجيهات وإجراءات:
مشاريع
حلول
تكليفات
زيارات متابعة
دعم برامج تشغيل
تحسين خدمات
استكمال بنى تحتية
دفع عجلة التنمية
وهنا يتجلى الفرق بين دولة تتعامل مع الأزمة “بالكلام”، ودولة تتعامل معها “بالعمل”.
لذلك بقي الأردن واقفًا، لأن الناس حين ترى الدولة تتحرك، تخف حدة الاحتقان، حتى لو كانت الظروف صعبة.
ثامنًا: كل ذلك وسط إقليم مشتعل… والأردن كان محاطًا بالنار،
فلا يمكن فهم قيمة ما جرى في الأردن دون تذكّر البيئة الإقليمية آنذاك:
دول انهارت بالكامل
دول انقسمت طائفيًا
دول دخلت في حروب أهلية
دول تحولت إلى ساحات نفوذ دولي وإقليمي
موجات لجوء وضغط سكاني واقتصادي
تحديات حدودية وأمنية
إرهاب وتمدد تنظيمات متطرفة،،،
ورغم ذلك، بقي الأردن:
متماسكًا
آمنًا
مستقرًا
محافظًا على مؤسساته
محتفظًا بوحدته الوطنية
وهذه ليست صدفة، بل نتيجة قيادة تعرف كيف تدير الأزمة بلا استعراض، وكيف تحمي المجتمع دون أن تجرحه.
تاسعًا: ثم جاء الوباء… وكأن التحديات لا تنتهي
لم يمضِ وقت طويل حتى جاءت جائحة عالمية قلبت الاقتصاد والصحة والتعليم والعمل رأسًا على عقب، وتركت آثارًا ما زلنا نعيش تبعاتها حتى اليوم.
وهنا أيضًا ظهرت قيمة “الدولة المتماسكة”:
قدرة على إدارة أزمة صحية
قدرة على الحفاظ على الأمن المجتمعي
قدرة على الاستمرار رغم تراجع الاقتصاد
قدرة على حماية المجتمع من الفوضى
وبقيت فكرة “الإنسان أولًا” هي العنوان: حماية الصحة، ثم حماية لقمة العيش، ثم حماية الاستقرار.
الخلاصة: لماذا نجح الأردن في عبور الربيع العربي؟
بعد عقد ونصف، يمكن تلخيص المشهد الأردني بجملة واحدة:
الملك اختار أن يربح الإنسان… فربح الوطن.
اختار:
منع إراقة الدماء
حماية المتظاهرين لا كسرهم
الحوار بدل القطيعة
الإصلاح بدل المكابرة
النزول إلى الشارع بدل الحكم من خلف الجدران
احتضان المحافظات بدل تركها للغضب
تحديث الدولة بدل تركها تتآكل
وهكذا، بقي الأردن، وسط إقليم لا يهدأ، دولةً تعرف كيف تحمي شعبها دون أن تخاف منه، وكيف تُصلح نفسها دون أن تنكسر، وكيف تعبر العواصف دون أن تدفع ثمنها دمًا وانقسامًا.
وفي النهاية، ليست الدول العظيمة هي التي لا تمر بالأزمات… بل التي تمر بالأزمات ولا تفقد روحها.



















