ملفات جيفري اوبستن.. التوقيت وخرائط التحولات القادمة

د.عبدالله سرور الزعبي
ما يجري اليوم لا يمكن مقاربته بوصفه سلسلة فضائح أخلاقية أو انحرافات فردية معزولة، بل باعتباره إحدى أكثر أدوات الصراع السياسي فاعلية في النظام الدولي المعاصر. فالفضيحة، حين تُدار وتُستثمر، لا تعمل بوصفها كشفًا للحقيقة بقدر ما تتحول إلى أداة سلطة، وسلاح ناعم لإعادة تشكيل التحالفات، وتفكيك مراكز النفوذ، وإعادة توزيع القوة داخل الدول وفيما بينها. هذا المنطق ليس طارئا، بل رافق نشأة الإمبراطوريات منذ لحظاتها الأولى، بوصفه لغة حكم غير مكتوبة تُستدعى حين تعجز القوانين، أو حين تغدو القوة الصلبة عالية الكلفة سياسيًا.
يُظهر التاريخ السياسي للإمبراطوريات الكبرى أن الفضائح لم تكن يومًا هامشًا أخلاقيًا، بل عنصرًا بنيويًا في هندسة السيطرة. فمن الإمبراطورية الفارسية، التي استخدمت أسرار البلاط لضبط الحكّام المحليين وتعزيز قبضة المركز، إلى روما التي حوّلت الحياة الخاصة للأباطرة والجنرالات إلى ملفات سياسية لإعادة تشكيل الولاءات والشرعية، وصولًا إلى البلاطات الأوروبية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، حيث أُديرت الفضائح الجنسية والمالية عبر شبكات معقّدة ومتعددة الهويات، لإضعاف الخصوم وضبط مراكز النفوذ الاقتصادي. في كل تلك السياقات، لم يكن الانحراف غاية بحد ذاته، بل أداة ضبط واستمرار.
هذا التقليد لم ينتهِ مع نشوء الدولة الحديثة، بل أُعيد إنتاجه بأدوات أكثر تعقيدًا. فقد كشفت فضيحة بروفومو في بريطانيا عام 1963 كيف يمكن لعلاقة شخصية أن تتحول إلى تهديد أمني حين تفقد الدولة السيطرة على تداعياتها. وفي الولايات المتحدة، أعادت قضية فرانكلين في أواخر الثمانينيات طرح سؤال التستّر المؤسسي، عندما بدا أن سقف النفوذ السياسي يتجاوز قدرة العدالة على الوصول إلى الحقيقة. أما في بلجيكا، فقد أظهرت قضية مارك دوترو عام 1996 أن الصدمة لم تكن في الجريمة وحدها، بل في صمت المؤسسات، لينتقل السؤال من "من ارتكب الجريمة؟" إلى "من وفّر الحماية؟". وفي بريطانيا، كشفت قضية جيمي سافيل، مطلع القرن الحالي، كيف يمكن للنفوذ الإعلامي والرمزية العامة أن ينتجا حصانة غير مكتوبة لعقود. هذه الوقائع لا تمثل انحرافات منفصلة، بل تجليات حديثة لمنطق قديم داخل بنية السلطة، حيث تُستخدم الفضيحة للابتزاز والضبط وإعادة رسم حدود المسموح والممنوع داخل النخبة.
ضمن هذا السياق التاريخي، لا يمكن النظر إلى جيفري إبستين بوصفه استثناءً أو مبتكرًا لهذا النمط، بل باعتباره إعادة إنتاج معاصرة لمنطق إمبراطوري قديم بأدوات رقمية حديثة. المال، والاستخبارات، والإعلام، والاقتصاد السياسي، والبيانات، باتت تعمل ضمن منظومة واحدة تُنتج الفضيحة، وتُسرّبها، وتُفعّلها في التوقيت المناسب كسلاح جيوسياسي. الفارق الجوهري بين النمط القديم والحديث يكمن في كثافة الملفات، وسرعة توثيقها، واتساع الشبكة العابرة للحدود التي تضم سياسيين ومليارديرات ومشاهير. والقاسم المشترك في هذه الملفات أن الانحراف لا يظهر كخلل عارض، بل كجزء من منظومة إدارة النخب وضبط توازناتها، وإبقاء مفاتيح الضغط خارج المجال العام. ويُضاف إلى ذلك التقدم التكنولوجي، الذي ضاعف من فاعلية هذه المنظومة، وجعل قدرة الدول على الاحتواء أو الإنكار محدودة زمنيًا ومكلفة سياسيًا.
بذلك، لم تعد فضائح من نمط ملفات إبستين مجرد أحداث صادمة، بل وقائع استراتيجية تُعيد ترتيب العلاقات الدولية في لحظة الكشف ذاتها. فالتوقيت هنا ليس تفصيلًا تقنيًا ولا صدفة، بل عنصرًا حاسمًا لتحقيق أهداف أوسع، تشمل إشغال المجتمعات عن أزمات أعمق، وإعادة التوازن داخل المعسكر الغربي، والضغط على النخب السياسية والاقتصادية، وتهيئة الرأي العام لتحولات اقتصادية وسياسية كبرى قادمة.
إن اختزال القضية في شخص إبستين وحده يُفرغها من معناها السياسي العميق. فالسؤال الجوهري ليس ما الذي فُعل، بل كيف استمر؟ ولماذا حُمي؟ ولماذا توقفت الأسئلة عند سقف غير مكتوب؟ هنا يبرز مفهوم الدولة العميقة، لا بوصفه سردية تآمرية، بل كبنية مصالح وشبكات نفوذ غير منتخبة قادرة على تعطيل العدالة دون إلغائها. وحين يصبح سقوط فرد تهديدًا لتوازن شبكة كاملة، يتحول الملف من جنائي إلى أمني، ومن أخلاقي إلى سياسي، وتُدار نهايته بما يحمي البنية لا الحقيقة.
لقد كشفت هذه القضايا تصدّع المعادلة التي قام عليها النفوذ الغربي "القوة مقرونة بالقيم". وحين تفقد القوى الكبرى تفوقها الأخلاقي، فإنها لا تخسر صورتها فحسب، بل تفقد قدرتها على توظيف القيم نفسها كأداة ضغط في النظام الدولي.
وليس من المصادفة أن تنفجر هذه الملفات في هذا التوقيت تحديدًا. فالفضائح الكبرى لا تظهر في أزمنة الاستقرار، بل في لحظات الأزمات البنيوية، حين يكون النظام الدولي في طور إعادة تشكّل لم تكتمل معالمه بعد، مع تراجع الهيمنة الأحادية، وتآكل سردية ما بعد الحرب الباردة، وتصاعد الصراعات داخل النخب. في مثل هذه اللحظات، لا تُفتح الملفات بدافع الفضيلة، بل لإعادة التموضع. فالفضيحة هنا ليست غاية، بل وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ الداخلي والخارجي، وكبح قوى صاعدة، وتهيئة الأرضية لتحولات استراتيجية في التحالفات السياسية والاقتصادية.
لم تقتصر تداعيات هذه القضايا على صدمة أخلاقية داخل المجتمع الأميركي، بل كشفت عن تصدّعات عميقة في بنية الدولة الحديثة ذاتها. ولم يبقَ هذا التصدّع محصورًا داخليًا، بل تمدّد سريعًا خارج الحدود. ففي أوروبا، أعادت هذه القضايا فتح نقاشات مؤجلة حول التواطؤ المؤسسي، ودور الاستخبارات والإعلام في حماية النخب أو التضحية بها حين تتغير الحسابات، لتغدو الفضيحة جزءًا من آلية إعادة التوازن داخل الغرب، لا مجرد انحراف أخلاقي.
في ظل هذا الانشغال، تستفيد قوى صاعدة كالصين وروسيا من اهتزاز الداخل الغربي لإعادة التموضع بهدوء، مستندة إلى أزمة أعمق في النظام الاقتصادي العالمي تتسم بتراكم الديون، وتباطؤ النمو، واهتزاز الأسواق. وفي هذا السياق، تتبلور ملامح نظام عالمي جديد لا يقوم على انتقال سلس، بل على إعادة صياغة قواعد الحكم الدولي نفسها: تراجع الخطاب الليبرالي، وصعود منطق الكتل الصلبة، وإدارة الصراعات عبر أدوات غير صدامية، والتحكم بتدفق المعلومات. هنا يتحول الإعلام إلى ساحة صراع لتشكيل الإدراك لا لنقل الحقيقة، وتُدار الفوضى بوعي، وتُستخدم الأزمات، ومنها الفضائح، لتسريع الانتقال من عالم أحادي القطبية إلى نظام متعدد المراكز لكنه غير متوازن. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تتفاقم الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية، ونشهد ضعفاً في المنظمات الدولية لضبط النزاعات، وتتصاعد حروب النفوذ بين القوى الكبرى.
في هذا المناخ، تزداد فاعلية قضايا مثل ملفات إبستين كأداة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية والدولية دون إعلان رسمي، بما يعيد تشكيل التحالفات، ويضبط النفوذ على النخب، ويغيّر ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط أيضًا. ويمتد تأثير هذه الانكشافات إلى قضايا إقليمية حاسمة، من إعادة توزيع النفوذ، إلى الأمن الإقليمي، والاقتصاد، والتجارة. كما يتيح الانشغال الدولي بملفات الفضائح مجالًا لإعادة ضبط المواقف من القضية الفلسطينية، ويجعل قدرة الدول الصغيرة على الصمود مرهونة بتحصين مؤسساتها، وتعزيز الحوكمة والشفافية، والقدرة على المناورة بين القوى الكبرى، وإدارة الفراغات الإقليمية، والاستعداد لامتصاص الصدمات الاقتصادية والسياسية.
بهذا المعنى، يغدو الشرق الأوسط محورًا حساسًا تتشابك فيه التحولات الدولية مع المسارات الإقليمية. والفارق بين الدول القادرة على الصمود وتلك التي تقع ضحية هذه التحولات هو مستوى مناعتها الداخلية، واستشرافها للمخاطر، وقدرتها على التكيّف مع بيئة دولية متعددة الأقطاب، لكن غير متوازنة بعد.
ويمكن، في هذا الإطار، تصور مراحل استشرافية لتأثير هذه الملفات على مستقبل التحالفات الدولية، في المرحلة الأولى، والتي قد تمتد لأشهر تشهد انكشاف مزيد من القضايا، وتصاعد الضغوط الإعلامية والسياسية داخل الغرب، تليها مرحلة إعادة ترتيب التحالفات الاقتصادية، ثم مرحلة إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية مع نهاية العقد الحالي، وصولًا إلى مرحلة ترسّخ النظام الجديد بقواعد مختلفة، مع تراجع النظام الاقتصادي القديم، والي قد نشهدها خلال العقد القادم.
في هذا المشهد المتحوّل، تصبح الدول الصغيرة أكثر عرضة للاستهداف إن لم تمتلك مناعة داخلية حقيقية، ويزداد الضغط على الاستقرار الإقليمي، فيما يتيح الانشغال الدولي مجالًا لإعادة توزيع النفوذ بعيدًا عن الأضواء، غالبًا على حساب القضايا المؤجلة والعادلة، مع بروز بعض الفرص للدول القادرة على إدارة الفراغ بوعي استراتيجي.
في الخلاصة، ليست قضية إبستين مسألة أخلاقية أو جنائية فحسب، بل مرآة تاريخية لنمط إمبراطوري قديم يتفكك في عصر الشفافية القسرية. ما تغيّر ليس السلوك وحده، بل أدوات الكشف، ووعي المجتمعات، وانكسار احتكار السردية.
من روما إلى واشنطن، لم تُحكم الإمبراطوريات بالقوة وحدها، بل بالأسرار. وحين تبدأ هذه الأسرار بالخروج إلى الضوء، لا يعني ذلك انتصار الأخلاق، بل الإعلان عن مرحلة سياسية جديدة تُعاد فيها كتابة قواعد القوة والنفوذ، ويُقاس فيها التفوق لا بالقدرة على الإخفاء، بل بالقدرة على قراءة التحولات، واستشراف المستقبل، والتكيّف مع عالم باتت فيه الحقيقة ساحة صراع مفتوحة.
*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية


















