ما الذي دفع ترامب للعودة إلى التهديد بإسقاط النظام الإيراني؟

عمان– برغم خفوت صوت التهديدات الأميركية في الأسابيع الماضية ضد إيران والحرب عليها، عاد النفخ في بوق الحرب في الآونة الأخير، عبر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يحاول هذه الأيام لملمة بيته الداخلي.
التهديدات الترامبية، التي بدأت تأخذ منحى يحاول أن يكون جديا، تزايدت التساؤلات حول خلفيات تصعيدها، بخاصة بعد أن عبر ترامب يوم الجمعة الماضي، عن تأييده لاحتمال حدوث تغيير في النظام الإيراني، معلنا في هذا النطاق، عن تجهيز "قوة هائلة" وفق تعبيره، ستتجه قريبا إلى الشرق الأوسط، في وقت دفعت فيه وزارة الدفاع الأميركية بحاملة طائرات ثانية إلى المنطقة.
وبدأت الماكينة الإعلامية الأميركية، تشحن باتجاه الحرب، بينما صرح ترامب عبرها، بأنه يسعى لتغيير النظام الإيراني معتبرا ذلك بأنه "سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث"، لكنه لم يحدد الجهة التي يرغب بأن تتولى الحكم في طهران، من باب صناعة "التشويق" كما فعل في المرات الماضية، لكنه يلمح إلى أن التغيير سيكون بحث بعض الأشخاص.
وفي خطاب له خلال لقائه جنودا أميركيين في قاعدة فورت براغ العسكرية بولاية نورث كارولينا قال "ظلوا يتحدثون طوال 47 عاما- يعني الإيرانيين- وخلال ذلك فقدنا الكثير من الأرواح. بُترت أطراف وتشوهت وجوه، واستمر هذا الوضع طويلا".
لكن هذا الموقف، ليس بعيدا عن التوترات التي تعيشها الإدارة الأميركية، بل ويتزامن أيضا مع زيارة رئيس وزراء الاحتلال المتطرف بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، الذي لم لم يتوقف للحظة في حض الأميركيين على إشعار حرب ضد إيران، وقد أثارت هذه الزيارة تكهنات حول وجود تنسيق في الخطاب بين الطرفين، بخاصة وأن الكيان المحتل، يدفع بقوة إلى الحرب، بذريعة أن الفرصة باتت مواتية لإضعافها أو تغيير نظامها.
وطرح هذا التزامن بين التهديدات الأميركية وزيارة نتنياهو لواشنطن، الباب لسؤال محوري: هل يأتي تهديد ترامب السابق والحالي، كورقة ضغط تجر إيران للتفاوض مع الإدارة الأميركية، أم أنها جزء من إستراتيجية أوسع، تتقاطع مع أجندة الاحتلال الصهيوني في واشنطن؟
إحداث تغيير داخلي في بنية النظام
أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، قال إن الضغوط التي يمارسها ترامب على إيران، ترتبط بطبيعة النظام السياسي الإيراني الذي يقوم على بنية أيديولوجية ومؤسسية معقدة، قابلة للتمدد، ما يجعل فكرة التغيير صعبة للغاية.
وأكد الماضي أن واشنطن حاولت استثمار الاحتجاجات الأخيرة في إيران، بدعم توجهات داخلية لإحداث تغيير سياسي من الداخل، بحيث لا يُسجل عليها أنها تسعى لإسقاط الدولة ومؤسساتها بالكامل، كما حدث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، إذ أدى تفكيك المؤسسات لحالة من الفوضى وعدم الاستقرار.
وأضاف، أن النموذج الأميركي في فنزويلا، اعتمد على تغيير رأس النظام، والإبقاء على المؤسسات، وهو ما تسعى واشنطن لتكراره في إيران. مشيرا إلى أن تعدد مراكز القوة في النظام الإيراني، من الحرس الثوري إلى المؤسسات الدينية، يجعل سيناريو التغيير أكثر تعقيدا، إلا إذا حدث اختراق كبير داخل المؤسسة العسكرية.
واعتبر الماضي، بأن التهديدات الأميركية باستخدام القوة البحرية في المنطقة، تأتي في إطار الضغط على طهران للقبول بالشروط الأميركية التي تتركز على 3 ملفات رئيسة: البرنامجان النووي والصاروخي، ووقف النفوذ الإقليمي الإيراني.
وشدد على أن أي تغيير محتمل، سيواجه تحديات داخلية كبيرة، نظرا للتنوع الديموغرافي في إيران، إذ يشكل الأكراد والأذريون والعرب والبلوش وغيرهم، مكونات اجتماعية قد تسهم بزيادة الاضطرابات، ما يجعل مستقبل الاستقرار في البلاد رهنا بتوازنات معقدة يصعب التحكم بها.
أهداف أميركية وصهيونية لإسقاط النظام
بدوره اعتبر رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن تصريحات ترامب، تعكس ضغوطا متصاعدة لكنها ليست ثابتة، إذ تتأرجح بين التهديد باستخدام القوة والدعوة للمفاوضات، مبينا بأن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، بما يشمل من قوة عسكرية تتمثل بحاملات طائرات وبوارج وقواعد عسكرية وقوات برية تقدر بأكثر من 40 ألف جندي، يشير إلى استعداد واشنطن لاستخدام القوة إذا لم تحقق المفاوضات أهدافها.
وأضاف شنيكات، أن إسقاط النظام الإيراني قد يكون هدفا أميركيا، لكنه أيضا يعكس ضغوط الاحتلال لدفع الولايات المتحدة الأميركية، نحو هذا الخيار، باعتبار أن النظام الإيراني يمر بمرحلة ضعف على المستويين الاقتصادي والإقليمي، ما يجعل الفرصة مواتية لتغييره. مشيرا إلى أن الاحتلال يرى في إسقاط النظام الإيراني، فرصة لإحداث تحول جذري في المنطقة، على غرار ما حدث في العراق عام 2003، حين رُوج لفكرة أن سقوط النظام، سيؤسس لمرحلة جديدة من سيطرة الاحتلال.
وبين أن ترامب وضع شروطا واضحة أمام إيران، أبرزها التخلي عن برنامجها النووي والصاروخي وهو ما يشبه النموذج الليبي، حين سلم معمر القذافي برنامجه النووي قبل سقوط نظامه لاحقا. مؤكدا أن تخلي إيران عن هذه البرامج، سيُحدث أزمة داخلية، إذ سيُنظر إليه كتنازل عن مشروع إستراتيجي استنزف موارد ضخمة منذ عام 1979.
ولفت إلى أن الضغوط الأميركية مدعومة بالمناورات العسكرية، قد تدفع إيران لمراجعة مواقفها، لكن خيار الاحتلال، يبقى مفضلا، وهو الإسراع بإسقاط النظام، برغم ما قد يحمله ذلك من تكاليف واضطرابات على مستوى الداخل الإيراني والمنطقة بأسرها.
التغيير وإسقاط النظام
فيما قال الخبير عصمت منصور، إن القناعة تتزايد لدى الاحتلال ودوائر في الإدارة الأميركية، بأن التغيير الجذري في إيران، لا يمكن أن يحدث بإنهاء مشروعها النووي، أو فرض اتفاقيات محددة عليها، بل عبر تغيير شامل في بنية النظام نفسه. مشيرا إلى أن ترامب يلوح بهذا الخيار، مدركا بأن تحقيقه يتطلب حربا واسعة، وربما تدخلا بريا طويل الأمد، ما يجعله يستخدم التهديد كأداة ضغط لدفع طهران نحو قبول اتفاقيات، قد تقود تدريجيا لتغييرات داخلية.
وأضاف منصور أن إسقاط النظام الإيراني وفق التقديرات، يحتاج لعوامل متعددة، منها وجود قوات كبيرة على الأرض، وحراك داخلي قوي ومعارضة منظمة، وهي عناصر غير متوافرة حاليا، ما يجعل التهديد أقرب لوسيلة ضغط منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
وأكد أن الهدف من هذه الضغوط، يتمثل بدفع إيران للقبول باتفاق يحد من برنامجها النووي والصاروخي، ويقيد نفوذها الإقليمي، على أمل أن يقود ذلك في المدى البعيد، لتحولات داخلية تمهد إلى تغيير النظام.



















