ا. د الون بن مائير :- تعطّش حكومة نتنياهو النّهم للدماء

كان الأمل معقودًا على أن يضع وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، الذي تم التوصل إليه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد أشهر من المفاوضات الشاقة، حدًا للموت والدمار المروع الذي ألحقته إسرائيل بغزة على مدى عامين. لكن للأسف، تبددت آمالنا، إذ يستمر قتل النساء والأطفال الفلسطينيين بلا هوادة. وتصر حكومة نتنياهو على ادعاءاتها القاسية بأن إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين ثمن مقبول لـ”التفوق الأمني الدائم” في غزة. هنا، تنحدر الحكومة الإسرائيلية عديمة الضمير إلى مستوى جديد من الإنحطاط. “ثمن مقبول” لمن؟ اسألوا أمًا فلسطينية ترى طفلها الصغير يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن سُحق رأسه بقنبلة إسرائيلية انفجرت قرب الخيمة التي يعيشون فيها.
ولفهم مدى وحشية نتنياهو وعصابته، أذكر فيما يلي بعض الحوادث المروّعة التي لا يمكن أن تُقدم عليها إلا حكومة يبدو أن تعطشها للدماء لا يشبع.
في 31 يناير/كانون الثاني 2026، أفادت مستشفيات في غزة بمقتل ما لا يقل عن 30 فلسطينياً في يوم واحد من الغارات الإسرائيلية، بينهم عدد من الأطفال، في أحد أكثر الأيام دموية منذ وقف إطلاق النار. دمرت إحدى هذه الغارات مبنى سكنياً في مدينة غزة، بينما استهدفت أخرى مخيماً للخيام في خان يونس، ما أسفر عن مقتل امرأتين وستة أطفال من عائلتين. قذفت الإنفجارات التي أودت بحياة فتيات صغيرات نائمات جثثهن في الشوارع، ولم يتبق منها سوى مراتب ملطخة بالدماء كدليل على وجودهن هناك.
وضربت الموجة نفسها من الهجمات مركزاً للشرطة في مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 14 شخصاً، بينهم أربع شرطيات ومدنيون وسجناء. انهارت زنزانات المبنى إلى الداخل، ووصف شهود عيان جثثاً متفحمة ومقيدة بالأصفاد مضغوطة على قضبان حديدية مثنية، بينما كان أقارب الضحايا يبحثون بمصابيح يدوية في ممرات زلقة بالدماء ومياه الصرف الصحي.
وفي مطلع يناير/كانون الثاني 2026، أسفرت غارات إسرائيلية على خان يونس عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثة فلسطينيين، بينهم فتى يبلغ من العمر 15 عاماً. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أصيب صبيان صغيران، يبلغان من العمر 9 و10 سنوات فقط، كانا متحمسين لعودتهما الوشيكة إلى المدرسة، وكانا يجمعان الحطب، برصاصة طائرة مسيرة. هرعت والدتهما إليهما لتجد عربتهما المقلوبة ملقاة بجانب جثتيهما الصغيرتين الملطختين بالدماء. يتساءل والدهما المفجوع: “كيف قتلوهما، ونحن من المفترض أن نعيش في سلام بعد عامين من الحرب؟”.
تصف التقارير الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة عمليات تفجير متواصلة لمبانٍ سكنية وهدم بالجرافات قرب “الخط الأصفر” غير المحدد والذي تفرض إسرائيل قيودًا مشددة على الوصول إليه. حتى بعد توقف القتال، تستمر الجرافات في هدم المنازل بشكل منهجي وتحويلها إلى أكوام منخفضة من الخرسانة وقضبان التسليح الملتوية مما يمحو الشوارع تمامًا لدرجة أن العائلات النازحة العائدة بموجب وقف إطلاق النار لم تعد قادرة حتى على تحديد مكان أبواب منازلها.
تشير التقارير الواردة من شمال غزة إلى استمرار عمليات الهدم في حيّ التفاح وبيت لاهيا والشجاعية وحيّ الزيتون، بذريعة القضاء على “البنية التحتية الإرهابية فوق الأرض وتحتها”. ألقت طائرات مسيّرة متفجرات ودمرت فرق هندسية منازلَ واحدًا تلو الآخر، محولةً أحياءً بأكملها إلى سهل رمادي متعرج، بلا معالم ولا مساجد ولا مدارس، فقط خزانات مياه محطمة وألعاب أطفال تطلّ من بين الغبار حيث كانت العائلات تأمل في إعادة البناء.
تشير تقديرات اليونيسف إلى مقتل طفلين يوميًا تقريبًا، أي ما يقارب 200 طفل منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. وغالبًا ما تكون هذه طلقات فردية على أطفال يجمعون الماء أو يلعبون قرب الأنقاض؛ تصل جثثهم إلى العيادات وعليها جرح أو جرحان نظيفان، تاركين آباءهم يغسلون قمصانًا صغيرة ملطخة بالدماء في أحواض مغطاة بالغبار والرماد.
يتحدث الآباء عن هدنة تعني عددًا أقل من القصف الجماعي، لكنها تعني رعبًا دائمًا: أزيز الطائرات المسيّرة المشؤوم، وانفجار مفاجئ على حافة مخيم، وجثة ابنة تُنقل على باب منزل لعدم وجود نقالات.
دوافع نتنياهو الخبيثة
تُصوّر حكومة نتنياهو الضربات وعمليات الهدم التي أعقبت وقف إطلاق النار على أنها ضرورية لمنع إعادة بناء حماس، ومن هنا جاء التركيز على الأنفاق و”البنية التحتية الإرهابية” والمناطق العازلة الواسعة التي تُدمر بطبيعتها مساكن المدنيين. وتُشير تحليلات قانونية وحقوقية إلى أن نمط عمليات الهدم والإجلاء القسري والحدود الأمنية الدائمة تعدّ إعادة هندسة إقليمية فعلية تجعل العودة وإعادة الإعمار على نطاق واسع أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. ويتماشى هذا مع جهود حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة طويلة الأمد لتقليص الوجود الفلسطيني على طول حدود إسرائيل ونقل سكان غزة إلى مصر والمنطقة الأوسع.
ترامب لا يفعل شيئًا لوقف ذلك
روّج ترامب لوقف إطلاق النار في غزة في 10 أكتوبر/تشرين الأول باعتباره إنجازًا بارزًا لولايته الثانية وظلّ يُؤيد نتنياهو في خطابه العلني، مُشددًا على انتهاكات حماس و”حق إسرائيل في إتمام المهمة”. حتى مع استمرار المرحلة الثانية من الإتفاق، مع فتح معبر رفح الذي لا يزال وضعه هشًا، ومع استمرار الغارات الإسرائيلية التي تودي بحياة مدنيين، يتحدث ترامب عن فرض الهدنة على حماس، ما يجعله متواطئًا في الفظائع الإسرائيلية، بدلًا من تقييد الخيارات العسكرية الإسرائيلية.
تركز السياسة الأمريكية في عهد ترامب على نزع سلاح غزة وضمان مشاركة الدول العربية والحفاظ على شراكة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل. إن الجمع بين الدعم القوي لإسرائيل والتهديدات الموجهة أساسًا إلى حماس وعدم وجود عقوبات حقيقية على استمرار الغارات وعمليات الهدم يخلق بيئة متساهلة يستطيع فيها نتنياهو مواصلة عملياته التي تقتل النساء والأطفال وتمحو أحياءً بأكملها، دون خوف من أي رد فعل أمريكي، بل ربما بتشجيع.
صحيح أن حماس انتهكت وقف إطلاق النار عدة مرات، وأُفيد بمقتل ثلاثة جنود إسرائيليين. ولكن، هل يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة ذلك بمقتل إسرائيل لأكثر من 520 فلسطينيًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول كما أفادت وزارة الصحة في غزة ؟
أين هم الإسرائيليون الذين يهتمون بمستقبل بلادهم ومكانتها الأخلاقية أمام المجتمع الدولي؟ لماذا لا يخرجون إلى الشوارع مطالبين بوضع حد لمذبحة الفلسطينيين الأبرياء التي ترتكبها حكومتهم، ليس فقط بإفلات من العقاب، بل بمتعة؟
يا لها من مأساة! إسرائيل، التي ولدت من رماد المحرقة، فقدت بوصلتها الأخلاقية، وهي الآن تُخاطر بإلحاق محرقة روحية وأخلاقية بروح الأمة ونفسها.

















