+
أأ
-

أ. د. هاني الضمور : لماذا لا ينبغي إدخال «تنمية الموارد البشرية» إلى قانون التربية والتعليم؟

{title}
بلكي الإخباري

ليست الأسماء في القوانين تفصيلاً لغوياً عابراً، بل مدخلاً مباشراً إلى الفلسفة التي تحكم النص وتوجّه تطبيقه. ومن هذا المنطلق، فإن إضافة مصطلح «تنمية الموارد البشرية» إلى قانون التربية والتعليم لا يمكن التعامل معها كتوسيع شكلي أو تحديث اصطلاحي، بل كتحوّل جوهري في النظرة إلى التعليم ووظيفته وحدود دوره في المجتمع.

الأصل في قانون التربية والتعليم أن ينطلق من التعليم بوصفه حقاً عاماً ومشروعاً وطنياً لبناء الإنسان، لا بوصفه أداة ضمن منظومة التخطيط الاقتصادي. فالتربية والتعليم، في جوهرهما، عملية إنسانية شاملة تستهدف تنمية العقل والضمير والقدرة على التفكير المستقل، وبناء الشخصية الوطنية، وترسيخ القيم، قبل أي اعتبار وظيفي أو إنتاجي. وعندما يُقحم مفهوم «تنمية الموارد البشرية» في هذا السياق، فإن التعليم يُعاد تعريفه ضمنياً كمرحلة إعداد للقوة العاملة، لا كغاية قائمة بذاتها.

إن مصطلح تنمية الموارد البشرية ينتمي تاريخياً وعملياً إلى حقل الإدارة وسوق العمل، حيث يُستخدم لقياس الكفاءة، والإنتاجية، والجاهزية للتوظيف. إدخاله في قانون التعليم يفتح الباب لتغليب الاعتبارات التشغيلية قصيرة الأمد على الأهداف التربوية طويلة الأمد، ويمنح مبررات قانونية لإخضاع المناهج، والتخصصات، وسياسات القبول، لمنطق السوق المتقلّب، لا لحاجات المجتمع الشاملة أو لمتطلبات المستقبل غير المرئية بعد.

كما أن هذه الإضافة تخلق خلطاً غير مبرر بين أدوار الدولة المختلفة. فتنمية الموارد البشرية، بمعناها الوظيفي، تقع ضمن اختصاصات سياسات العمل والتشغيل والتدريب المهني، وليس من مهام قانون التربية والتعليم أن يتحمل عبء معالجة اختلالات سوق العمل أو البطالة. تحميل التعليم هذه الوظيفة يحمّله مسؤوليات لا يستطيع الوفاء بها وحده، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى إضعاف دوره التربوي دون أن ينجح فعلياً في حل المشكلات الاقتصادية.

ومن زاوية الحوكمة، فإن إدخال هذا المفهوم يوسّع مجال التدخل التنفيذي في القرار التربوي. فباسم المواءمة مع سوق العمل وتنمية الموارد البشرية، يمكن إعادة توجيه السياسات التعليمية وفق أولويات اقتصادية آنية، ما يضعف استقلالية المؤسسات التعليمية ويجعلها أكثر عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية. والتجارب الدولية تُظهر أن الأنظمة التعليمية التي فقدت استقلالها لصالح اعتبارات السوق، دفعت ثمناً تربوياً باهظاً على المدى المتوسط والبعيد.

ولا يقل خطورة عن ذلك البعد القيمي للمسألة. فالتعليم الذي يُبنى على رؤية ترى الإنسان «موردًا» يُدار ويُطوَّر، لا إنساناً يُمكَّن ويُحرَّر، ينتهي غالباً إلى إنتاج أجيال تمتلك مهارات تقنية، لكنها تفتقر إلى الوعي النقدي، والقدرة على المبادرة، والإحساس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه خسارة لا تعوّضها أي مكاسب تشغيلية مؤقتة.

إن نقد إضافة «تنمية الموارد البشرية» لا يعني الدعوة إلى فصل التعليم عن واقع المجتمع أو تجاهل احتياجات الاقتصاد، بل يعني التأكيد على أن العلاقة بين التعليم والتنمية يجب أن تكون علاقة تنسيق لا تبعية، وشراكة لا اختزال. فالأصل أن يخدم التعليم التنمية من موقعه التربوي المستقل، لا أن يُعاد تشكيله وفق منطق إداري اقتصادي ضيّق.

في الخلاصة، إن إدخال مفهوم تنمية الموارد البشرية إلى قانون التربية والتعليم يغيّر جوهر القانون أكثر مما يطوّره، وينقل التعليم من فضاء التربية وبناء الإنسان إلى فضاء الإدارة والتشغيل. والأصل، تشريعياً وتربوياً، أن يبقى قانون التعليم معبّراً عن رسالته الإنسانية والوطنية، على أن تُعالج قضايا الموارد البشرية وسوق العمل ضمن تشريعاتها المختصة، حفاظاً على وضوح الأدوار وحمايةً لجوهر التعليم نفسه.