الأب عماد الطوال يكتب : التوازن الإنساني رحلة الوعي والمعنى

الأب عماد الطوال- ماركا الشمالية
يعيش الإنسان المعاصر واحدة من أكثر مراحل التاريخ ازدحامًا بالمعرفة والخيارات وأشدّها فراغًا في المعنى، كلّما تقدّم العلم اتسعت الهوّة بين ما يعرفه الإنسان وما يشعر به، وبين ما يمتلكه وما يحتاج إليه في أعماق ذاته، وفي هذا الفراغ يعود السؤال الأزلي ليطلّ من جديد ما الذي يصنع إنسانيتنا؟
الجواب لا يُختزل في الدين ولا في الفلسفة ولا في الأخلاق وحدها بل في التوازن بين ثلاثة أبعاد تشكّل جوهر التجربة الإنسانية، الإيمان والروحانية والقيم، هذه الأبعاد ليست متوازية بل متداخلة ومتفاعلة فلا يمكن لأيٍّ منها أن يعكس كمال الإنسان بمعزل عن الآخر، إنها مثلث الوجود الإنساني المتوازن، المعنى والعمق والمسؤولية.
الإيمان: هو الاستجابة الأولى للإنسان لسؤال الوجود والمعنى، ليس مجرد تصديق بفكرة أو التزام بطقوس بل وعي داخلي يجعل الحياة تحمل غاية واتجاهًا، من خلال الإيمان يدرك الفرد أن وجوده ليس عبثًا وأن للحياة منطقًا أعمق يتجاوز اللحظة الراهنة والبعد المادي.
يربط الإيمان بين الفكر والضمير ويمنح القدرة على الصمود أمام التحديات والشعور باللا معنى، ومهما اختلفت طرق التعبير عنه يبقى جوهره واحدًا، البحث عن الحقيقة والاستماع للصوت الداخلي الذي يقول إن للحياة معنى.
لكن الإيمان وحده إذا لم يتحول إلى تجربة حية يبقى فكرة جامدة، لذلك يحتاج إلى جناحين أساسيين، الروحانية التي تمنحه العمق والقيم التي تجعل هذا المعنى ملموسًا في السلوك.
الروحانية: ليست مفهومًا غامضًا أو بعيدًا عن الواقع بل هي تعبير عن وعي الإنسان بذاته وبحياته من منظور أعمق من الماديات اليومية، إنها البُعد الداخلي الذي يمنح القدرة على التأمل والمراجعة والبحث عن السلام الداخلي وسط ضغوط الحياة.
الروحانية لا تعني الانسحاب من الواقع أو الهروب من المسؤولية بل تجعل الفرد أكثر وعيًا بنفسه وبالآخرين وأكثر إدراكًا لقيمة الحياة وحدودها، إنها تعيد ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج، بين ما نملكه وما نحن عليه فعلًا.
الإنسان الروحي لا يُعرف بكثرة تأملاته بل بصفاء نظرته وقدرته على التوازن بين العمل الخارجي والسكينة الداخلية، هو الذي يرى في كل لحظة فرصة للفهم والتقدير والعطاء دون أن يُقيّد هذا الفهم بإطار ديني محدد أو تجربة واحدة للحقيقة.
ومن دون هذا البُعد، يفقد الإيمان عمقه وتتحول القيم إلى قواعد جافة تُمارس شكليًا دون قناعة حقيقية، فالروحانية تحيي المعتقد وتمنح الأخلاق بعدها الإنساني وتجعل الفرد يعيش المعنى بدلاً من مجرد ترديده.
القيم: هي الميدان الذي يُختبر فيه صدق الإيمان وعمق الروح، فمن السهل أن يتحدث الفرد عن الرحمة لكن جوهرها يظهر حين يُمارسها، ومن السهل أن يتأمل في العدالة لكن قيمتها الحقيقية تُقاس حين تُطبق.
القيم ليست مجرد قواعد اجتماعية بل تعبير عن البنية الأخلاقية للفرد،وهي التي تمنح الإيمان شكله العملي والروحانية معناها الواقعي، إنها الترجمة اليومية لكل ما يعتقده الإنسان ويشعر به، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، فبينما تختلف الأديان والثقافات، تبقى القيم الكبرى لغة إنسانية مشتركة.
حين تغيب القيم يفقد الفرد توازنه، لأن الإيمان يصبح بلا أثر والروحانية بلا مسؤولية، القيم هي ثمرة الإيمان ونبض الروحانية فهي تُحوّل المعتقدات إلى أفعال والمشاعر إلى أثر ملموس، فالصدق والعدل والرحمة والكرامة ليست مجرد مبادئ أخلاقية بل تجلّيات الفرد في أرقى حالاته.
القيم لغة مشتركة بين جميع البشر مهما اختلفت أديانهم وثقافاتهم، هي ما يجمع الإنسان بالإنسان والمجتمع بالمجتمع بل والأمم بعضها ببعض، ومن يعيش القيم يعيش الإيمان بأرقى صوره لأنه يُترجم المعنى الروحي إلى واقع ملموس.
لكن إذا انفصلت القيم عن الروح والإيمان، تتحوّل إلى قوانين جافة تُطبّق بصرامة دون رحمة، لذلك لا تكتمل إلا إذا سكنها الإيمان وأضاءتها الروح.
التوازن الإنساني: في التفاعل بين الإيمان والروحانية والقيم، يولد الفرد المتوازن، هو الذي لا يحصر إيمانه في الشعائر فقط، ولا يختزل روحه في التجربة الفردية، ولا يقيس القيم بالمصلحة، إنه يدرك أن الإيمان يمنحه الاتجاه والروحانية تمنحه العمق والقيم تمنحه القدرة على العمل.
الشخص المتوازن لا يعيش في صراع بين الدين والعقل، أو بين الروح والجسد، بل يرى في الكلّ وحدة منسجمة، يتعامل مع الحياة كرسالة ومع الآخرين كامتداد له لا كخصوم له، هذا التوازن ليس رفاهية فكرية بل ضرورة وجودية.
فالإيمان بلا روحانية قد يُنتج التزمّت، والروحانية بلا قيم قد تولّد اللامبالاة، والقيم بلا إيمان قد تتحوّل إلى نسبية أخلاقية. أما حين تتكامل الثلاثة، يولد إنسان قادر على الحب والغفران والإبداع والإصلاح.
هذا هو الإنسان الذي يحتاجه عصرنا لا يخاف من الحقيقة ولا يحتكرها، يعيش الإيمان كمسؤولية، والروحانية كوعي، والقيم كأسلوب حياة، حين يبلغ هذا التوازن لا يسعى للسيطرة على العالم بل لخدمته بمعنى أعمق من الوجود ذاته، فمن أدرك التوازن بين الإيمان والروح والقيم أدرك في النهاية جوهر الإنسانية.
ليست الغاية أن نعرّف أنفسنا بما نؤمن به بل بما نصبح عليه من خلال هذا الإيمان، ليست الروحانية مجرد تأمل بل عودة إلى الحياة بقلب ممتلئ بالسلام، وليس الهدف من القيم أن تكون شعارات فقط بل مسؤوليات تُعاش كل يوم.
هذا هو المعنى الأعمق للإيمان، يوحد، لا يقسّم، يحرّر، لا يقيد، ويذكّرنا أننا، مهما اختلفت طرقنا، نسير جميعًا نحو المعنى الواحد الذي اسمه الإنسان.



















