إعادة توزيع المياه بوادي الأردن.. نقطة تحول في معركة الندرة

عمان- يرتكز نجاح إدارة إعادة توزيع الموارد المائية في وادي الأردن على قدرتها في تحويل المبادئ النظرية لواقع ميداني قابل للقياس؛ فالمعادلة الحقيقية لا تكمن بتوافر المياه فقط، بل في كفاءة إدارتها وعدالة توزيعها ومرونة أنظمتها.
فالمعركة ليست مع الندرة وحدها، بل مع الفاقد والاعتداءات وضعف البيانات، وهي معارك إذا كسبت إداريا وتقنيا، يمكنها تغيير مستقبل الأمن المائي في المنطقة الزراعية الأهم في المملكة.
وفي لحظة مائية دقيقة، يواجه فيها الأردن ضغوطا متصاعدة بين محدودية الموارد وارتفاع الطلب؛ تتجه الأنظار إلى الخطوة التي تقودها سلطة وادي الأردن، لإعادة توزيع الموارد المائية باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرا على الأمن المائي والغذائي.
فورشة العمل الأخيرة التي عقدتها سلطة وادي الأردن، والتي خصصت لتقييم نتائج الخطة، لا تقرأ بوصفها نشاطا فنيا عابرا، بل كمؤشر على انتقال الإدارة المائية من مرحلة التشخيص إلى مرحلة إعادة الهيكلة التشغيلية.
والتحرك المؤسسي في هذا المجال، يأتي في وقت تؤكد فيه المعطيات، أن الفجوة بين العرض والطلب المائي تتسع بفعل الندرة الطبيعية والنمو السكاني والتغير المناخي. وهي عوامل أشار إليها ممثل مشروع المحافظة على المياه الممول من السفارة الأميركية في عمّان خلال الورشة، محذرا من أن السنوات المقبلة ستشهد ضغوطا أكبر خصوصا مع التوقعات بزيادة كميات المياه المعالجة بعد العام 2030.
وهذا التحذير، يضع خطة إعادة التوزيع في موقع البنية التحتية الحاكمة لمنظومة المياه المستقبلية، لا مجرد إجراء إداري لتحسين الضخ أو تنظيم الحصص.
والمعطيات الصادرة عن الجهات المعنية، تكشف عن أن نجاح إدارة إعادة توزيع المياه يرتكز على منظومة متكاملة من العوامل المتداخلة؛ فالبداية تكون من تحديث الشبكات وتقليل الفاقد الفني عبر الاستثمار في البنية التحتية الذكية وأنظمة الكشف المبكر عن التسربات، ما يعد شرطا أساسيا لتوفير كميات قد تعادل مصادر مائية جديدة. ويتكامل ذلك مع حوكمة صارمة تضبط الاعتداءات والسرقات المائية عبر رقابة ميدانية وتشريعات مطبقة بعدالة، لأن أي خلل في العدالة التوزيعية يهدد شرعية الخطة نفسها.
كما أن الإدارة القائمة على البيانات، تمثل حجر الزاوية بنجاح العملية، فالقياس الدقيق للاستهلاك وتحليل الطلب واستخدام أدوات رقمية لاتخاذ القرار، يعزز الشفافية ويمنع التقديرات العشوائية التي كانت تاريخيا أحد أسباب الهدر.
وكانت الورشة التي عقدت بحضور وزارة المياه والري، وشركاء دوليين وخبراء فنيين، ناقشت نتائج التقييم الأساسي للخطة التي أعدت بالتعاون مع شركة أورينت للهندسة، ما يعكس توجها واضحا نحو إشراك الخبرة الفنية في صياغة القرار المائي، بدل الاعتماد على التقديرات الإدارية وحدها.
وفي ظل التحديات المتصاعدة التي يفرضها شحّ الموارد المائية، وتزايد الطلب عليها، تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر كفاءة وعدالة في إدارة المياه، وهو ما أكده الأمين العام لسلطة وادي الأردن هشام الحيصة، في تصريحات لـ"الغد"، مشددا على أن إعادة توزيع الموارد المائية، تمثل خيارا إستراتيجيا لضمان الاستدامة وتعزيز الأمن المائي.
وأشار الحيصة إلى أن عملية إعادة توزيع الموارد المائية، تمثل توجها إستراتيجيا ضمن جهود المؤسسة لتعزيز كفاءة الإدارة المائية وضمان استدامتها، مؤكدا أنها تهدف إلى تحقيق العدالة في التوزيع، ورفع كفاءة الاستخدام والاستجابة للتحديات المتزايدة المرتبطة بندرة المياه.
وقال "إن عملية إعادة توزيع الموارد المائية تأتي كإجراء إستراتيجي يهدف إلى تحقيق العدالة في التوزيع ورفع كفاءة الاستخدام".
وأضاف، إن نجاح إدارة إعادة التوزيع يستند إلى مجموعة من الشروط الأساسية التي تشكل منظومة عمل متكاملة، مبينا “أن تحسين كفاءة البنية التحتية المائية من خلال تقليل الفاقد الفني وتحديث الشبكات والقنوات، واستخدام أنظمة مراقبة وتشغيل حديثة تتيح الكشف المبكر عن التسربات والأعطال، يمثل أولوية رئيسة في هذا المسار.”
ولفت الأمين العام لـ"وادي الأردن" لأهمية تعزيز الحوكمة المائية والرقابة الميدانية لضبط الاعتداءات والسرقات، مؤكدا “أن تطبيق التشريعات الناظمة بشكل عادل وحازم يحافظ على حقوق جميع المنتفعين، ويعزز الثقة في منظومة التوزيع.”
وفي جانب التخطيط، لفت إلى أن الإدارة الحديثة للموارد تعتمد على البيانات الدقيقة، موضحا بأن "اعتماد التخطيط المبني على البيانات، بما يشمل القياس الدقيق للاستهلاك وتحليل الطلب واستخدام أدوات رقمية تدعم اتخاذ القرار يزيد من شفافية توزيع المياه".
كما شدد على أن الشراكة مع المزارعين والقطاع المحلي، عنصر حاسم في نجاح أي خطة، مشيرا إلى "أن رفع الوعي وتعزيز الالتزام المجتمعي عامل أساسي لتحقيق الاستخدام الأمثل للمياه وفق أولويات واضحة".
وتابع أن المرونة التشغيلية تبقى عاملا فاصلا في استدامة النتائج، موضحا أن "مراجعة نتائج التطبيق بشكل دوري وتعديل السياسات التشغيلية وفق المعطيات الميدانية والتغيرات المناخية"، تضمن استمرارية فاعلية الإجراءات.
وجدد الحيصة التأكيد على أن هذه الجهود تندرج ضمن رؤية شاملة لتعزيز الأمن المائي وتحقيق الإدارة المستدامة للموارد، مشيرا إلى “أن هذه الجهود تأتي بما يخدم المصلحة الوطنية ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة”

















