كوبا في مرمى ترامب: هل جاء دور هافانا؟

تواجه كوبا لحظة مفصلية مع تصاعد الضغوط الأميركية وتراجع دعم حلفائها، فيما تلوّح إدارة ترامب بخيارات تتراوح بين إبرام صفقة سياسية وتغيير النظام. وبين انهيار اقتصادي خانق وإشارات انفتاح حذرة، تبدو هافانا على أعتاب تحول قد يعيد رسم وجه المنطقة.
* * *
بعد دراما العملية الأميركية في فنزويلا، تحول تركيز النشاط العسكري الأميركي فورًا تقريباً إلى إيران، حيث بدا أن الهدف الأكثر وضوحاً لنسخة دونالد ترامب من "مبدأ مونرو" للقرن الحادي والعشرين قد اختفى عن الأنظار: وهذا الهدف هو كوبا.
لكن الهدوء النسبي الذي ساد الشهر الماضي قد يكون مضللاً، وقد يكون على وشك أن ينتهي، مما قد يؤدي إلى حدوث أحد أكثر التغييرات جذرية في المنطقة منذ استيلاء فيدل كاسترو على السلطة في العام 1959 وأزمة الصواريخ الكوبية التي كادت أن تُغرق العالم في حرب بعدها بثلاثة أعوام.
ولئن لم يحدث تغيير فعلي في النظام في كاراكاس، رغم اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، فقد أجبرت الولايات المتحدة فنزويلا على وقف شحنات الوقود الحيوية إلى كوبا التي تواجه الآن أزمة أقسى من أي أزمة واجهتها حتى الآن.
في الأسبوعين الماضيين، حذرت الحكومة الكوبية شركات الطيران الأجنبية من أنها لا تستطيع ضمان تزويد طائراتها بالوقود. وقد ألغت كندا جميع رحلاتها إلى كوبا، وحتى روسيا -التي ظلت حليفة لكوبا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي- قالت إنها ستوقف هي الأخرى جميع رحلاتها إلى كوبا، باستثناء بعض الطائرات التي ترسلها فارغة لإجلاء سياحها.
مع النهاية الفعلية للسياحة الأجنبية، تفقد كوبا أحد مصادر العملة الأجنبية القليلة المتاحة لها. وقد وصل نظام تقنين الوقود المحلي في البلاد، الذي لطالما كان متقطعاً وغير محل ثقة، إلى نقطة الانهيار. وتؤثر انقطاعات الكهرباء الدورية في العديد من المناطق، بما في ذلك العاصمة هافانا. وباختصار، يبدو أن الخناق الأميركي يضيق، من دون أي حاملات أسلحة أو إجراءات مباشرة من جانب أميركا. ومن الصعب تفادي الاستنتاج بأن نهايةً ما، من نوع ما، تلوح في الأفق.
من ناحية أخرى، ما تزال نوايا الولايات المتحدة غير واضحة. ففي نهاية الشهر الماضي، أصدر دونالد ترامب أمراً تنفيذياً شديد اللهجة يتهم فيه الحكومة الكوبية بدعم "جهات فاعلة معادية"، بما في ذلك روسيا والصين وإيران، والتحالف معها، فضلاً عن انخراطها في جهود "لزعزعة استقرار نصف الكرة الغربي". وهدد بفرض رسوم جمركية على أي بلد يزود كوبا بأي شيء.
لكن في غضون أيام قليلة تلت، قال ترامب للصحفيين (في مارالاغو، على بعد أميال قليلة من كوبا) إن كوبا "دولة فاشلة"، مع ذلك أضاف: "نحن نتحدث إلى الشعب الكوبي، إلى كبار المسؤولين في كوبا، لنرى ما سيحدث". واختتم حديثه بأسلوبه الترامبي المعتاد: "أعتقد أننا سنبرم اتفاقاً مع كوبا".
ورد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل -من أمام صورة لفيديل كاسترو في هيئة ثورية- بتصريح أكثر رسمية. وقال إن كوبا "مستعدة للدخول في حوار مع الولايات المتحدة، حوار في شأن أي موضوع، ولكن من دون ضغوط أو شروط مسبقة". ودليل على مدى حرص كوبا على إيصال هذه الرسالة هو بثها على التلفزيون والإذاعة وعلى "يوتيوب". وتشير تقارير غير مؤكدة إلى أن المحادثات قد تكون جارية في المكسيك.
ومع ذلك، سواء كانت هناك محادثات أم لا، فإن حقيقة أن الجانبين يبدوان على اتصال هي أمرٌ إيجابي. لكن هذا يثير أيضاً تساؤلات عن نوع "الصفقة" التي قد تكون مطروحة على الطاولة، وما إذا كان تغيير النظام الذي خططت له الولايات المتحدة قد ألغي، أو كان مطروحاً في الأصل.
من بين الخيارات المختلفة التي يمكن تصورها، فإن الخيار الأكثر إيجابية هو العودة إلى الانفتاح تجاه كوبا الذي بدأه باراك أوباما في ولايته الثانية، وسمح بموجبه بالسفر والاستثمار، لكن ترامب ألغاه في ولايته الأولى. ولكي يكون هذا الانفتاح ممكناً، سيتعين على كوبا، سواء تحت قيادتها الحالية أو تحت قيادة أخرى، أن تعيد توجيه سياساتها بعيداً من روسيا، وهي خطوة ستعتمد بالتأكيد جزئياً على ما ستقدمه الولايات المتحدة.
ومع ذلك، قد لا يكون الخيار أمام هافانا صعباً كما كان في السابق -وربما ينطبق الأمر ذاته على موسكو. فمع أن روسيا يمكنها، حتى الآن، أن ترسل شحنات طارئة من الوقود إلى كوبا (وهو ما سيستغرق أسابيع عدة ولن يخفف محنة كوبا إلا لفترة وجيزة)، فإن قرارها إجلاء سيّاحها والتأكيد رسمياً أن طائراتها القادمة إلى الجزيرة تصل فارغة -أي غير محمّلة بالغذاء أو أي مساعدات أخرى- يوحي بأنها ربما تنأى بنفسها عن هذا الموقع التقليدي لنفوذها.
وقد تكون الأولوية للحرب في أوكرانيا أحد الأسباب، غير أن سبباً آخر قد يكمن في تعاطف روسيا الطبيعي مع مواقف ترامب حيال مفهوم مناطق النفوذ، وهو ما قد يدفعها إلى الاكتفاء بالدعم الخطابي لكوبا من دون تقديم ما هو أبعد.
الخيار الآخر الواضح للولايات المتحدة هو تغيير النظام في كوبا. ومن حيث المبدأ، ربما لا يوجد شيء يُرضي البيت الأبيض أكثر من ذلك. لكن تحقيق هذا الأمر فعلياً هو مسألة أخرى. فالكوبيون، حتى اليائسون منهم، لديهم إحساس قوي بتاريخهم وهويتهم. وقد يفضي فرض زعيم جديد من بين المنفيين في فلوريدا بنتائج سيئة.
قد تكون إثارة التغيير الداخلي خياراً أكثر واقعية، ولكن هذا قد يستغرق وقتاً طويلاً، وليس هناك ما يشير إلى وجود معارضة داخلية يمكن البناء عليها. أضف إلى ذلك أن ترامب قد شجب جهود تغيير النظام التي بذلتها الإدارات الأميركية السابقة، مؤكداً أنه لا يسعى إلى فرض أنماط حياة مختلفة على البلدان الأخرى. وحتى الآن، تجنب القيام بذلك، بما في ذلك في إيران.
هل يمكن أن يكون هناك استثناء في حالة كوبا؟ ربما، بالنظر إلى أن تغيير النظام هو خيار يحظى بتأييد قوي من العديد من المهاجرين الكوبيين في الولايات المتحدة، بما في ذلك المهاجر الكوبي من فلوريدا والمنتمي إلى الجيل الثاني، ماركو روبيو، وزير خارجية ترامب. وقد يشكّل نجاح تغيير النظام مكسباً لترامب مع اقتراب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر)، في حين أن تدخلاً فاشلاً أو يفتقر إلى الإجماع قد يتحول إلى عبء سياسي، بما في ذلك على روبيو نفسه الذي يُنظر إليه باعتباره طامحاً إلى الترشح للرئاسة في العام 2028.
الجانب السلبي بالنسبة لترامب في خيار أوباما المعدل (بصرف النظر عن ازدراء ترامب الصريح للرئيس الرابع والأربعين) هو أن كوبا، على عكس فنزويلا بنفطها أو أوكرانيا بمعادنها النادرة، لا تملك شيئاً تقريباً لتدفع بثمنه. وتحتاج كوبا إلى استثمارات ضخمة قد يستغرق تحقيق عوائدها وقتاً طويلاً، حتى في أفضل الأحوال.
من ناحية أخرى، قد يجد ترامب رغبة ما، إن لم يكن لإخراج كوبا تماماً من العزلة الدولية، فعلى الأقل في التخلص من وجود دولة فقيرة ومزعجة، وربما معادية، على بعد 150 كيلومتراً فقط من أطراف فلوريدا.
ربما يكون هذا هو التغيير الوحيد الذي يمكن أن يفيد الأمن والتماسك، على الأقل في الجزء الشمالي من نصف الكرة الغربي.
لقد أظهرت أجزاء من الكتلة السوفياتية السابقة مدى السرعة التي يمكن أن تزدهر بها الاقتصادات بمجرد تحررها من القيود العقائدية. أما إذا كان هذا الخيار غير الدراماتيكي سيغري صاحب نهج الصدمات الذي يقيم في البيت الأبيض، فتلك مسألة أخرى.
*ماري ديجيفسكي: كاتبة مختصة في الشؤون الخارجية. عملت مراسلة في موسكو وباريس وواشنطن. وكتبت حول انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي السابق من داخل موسكو، كما غطت حرب العراق. وهي مهتمة بالعلاقات الدبلوماسية بين الكرملين والغرب.

















