+
أأ
-

د. ألون بن مائير يكتب لبلكي نيوز :- ترامب ونتنياهو يلاحقان سرابًا في إيران

{title}
بلكي الإخباري

 


شنّ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حملةً ضد إيران بأهدافٍ طموحة ووسائل محدودة. يتحدثان بلغة تغيير النظام، لكن الشروط السياسية والعسكرية والإجتماعية اللازمة لذلك غائبة. لن تُفضي هذه الحملة إلى تحوّلٍ في طهران، بل إلى دوامةٍ محفوفةٍ بالمخاطر نحو حربٍ مفتوحة قد تُغرق المنطقة وتنتهي بفشلٍ استراتيجي.

لا تتوفر حكومة بديلة جاهزة
يتطلب تغيير النظام الناجح من الخارج وجود معارضةٍ منظمة وشرعية قادرة على ملء الفراغ. إيران تفتقر إلى ذلك. فالمعارضة مُشتتة، مُرتابة، وضعيفة التنسيق، لا سيما بين النشطاء داخل البلاد وفي الشتات. لا توجد قيادةٌ موحدة ولا برنامجٌ متماسك ولا قيادةٌ انتقالية متفق عليها يُمكن لحركةٍ وطنية أن تتكاتف حولها.

وعلى الرغم من ضخامة احتجاجات 2025-2026 وشجاعتها، إلا أنها افتقرت إلى قيادةٍ مركزية قادرة على تحويل التعبئة الشعبية إلى مسعىً مُنظم للوصول إلى السلطة. شخصيات بارزة مثل الحائزة على جائزة نوبل نرجس محمدي تقبع في السجن، بينما تُنبذ شخصيات رئيسية منفيّة مثل رضا بهلوي وتعجز عن حشد ولاء شعبي واسع.

في هذا السياق، تبدو دعوات ترامب للإيرانيين “بالانتفاض” مجرد كلام. فهي تتجاهل حقيقة أن الأنظمة الإستبدادية تكتسب نفوذًا أكبر عندما يبقى المنافسون منقسمين، إذ يمكن للإنقسامات وضعف التنسيق أن يعززا صمود النظام. فبدون مركز قوة بديل موثوق، يُرجّح أن يؤدي الضغط الخارجي إلى قمع داخلي بدلًا من ثورة.

تغيير النظام دون تدخل عسكري
الوهم الثاني هو الإعتقاد بأن القوة الجوية والبحرية وحدها قادرة على إسقاط نظام متصلب وإرساء نظام جديد. تُظهر تجربة العراق وأفغانستان أنه حتى في الحالات التي أُطيح فيها بالأنظمة بسرعة، فإن غياب قوات استقرار مستدامة وواسعة النطاق أدى إلى فراغات وتمردات وصراعات طويلة الأمد، لا إلى ديمقراطية ليبرالية تتماشى مع التوجهات الغربية.

لا يعتزم ترامب نشر القوات البرية وآليات بناء السلام طويلة الأمد اللازمة لإدارة المرحلة الإنتقالية بعد قيام الجمهورية الإسلامية. وقد تحققت جزئيًا الأهداف التكتيكية مثل – تدمير المنشآت النووية والصاروخية، وإضعاف هياكل القيادة، واغتيال كبار القادة. لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان تغيير النظام ممكنًا واقعيًا دون خطة جادة لما بعد النزاع ووجود عسكري مستدام وموارد كافية.

نظام مصمم للبقاء بعد قطع الرؤوس
ثالثًا، يبدو أن ترامب ونتنياهو يفترضان أن اغتيال كبار القادة أو ضرب المراكز الرئيسية سيؤدي إلى إرباك النظام بشكل قاتل. وقد أمضت إيران سنوات في الإستعداد لإثبات خطأ هذا الإفتراض. وضع خامنئي إطارًا بديلًا من أربع طبقات للمناصب العسكرية والحكومية الحيوية، مصممة لمنع الشلل في حال مقتل كبار المسؤولين في الحرب. يُمكّن هذا الهيكل نخبةً محدودة من المسؤولين الموثوق بهم من اتخاذ قرارات مستقلة في ظروف الحرب أو انقطاع الإتصالات، مما يضمن استمرارية القيادة والسيطرة.

صُمّم الهيكل الدستوري والديني للجمهورية الإسلامية ليدوم بعد رحيل أي شخصية رئيسية. بإمكان مؤسسات مثل مجلس الخبراء والحرس الثوري الإسلامي وجهاز الأمن الداخلي الممتدّ إعادة تشكيل القيادة بشكل جماعي حتى بعد اغتيال خامنئي. ويهدف التخطيط للخلافة إلى ضمان استقرار النظام وفعاليته وقدرته على الإستمرار حتى بعد وفاته. قد يُرضي اغتيال خامنئي رغبات سياسية في واشنطن والقدس، لكنه لن يُؤدي إلى انهيار الدولة.

الشروط الأساسية المفقودة لتغيير النظام
إلى جانب هذه العقبات الهيكلية، تغيب الشروط الأساسية اللازمة لنجاح تغيير النظام. تتطلب التحوّلات المستدامة تحالفًا واسعًا عابرًا للطبقات يربط بين الطبقات الوسطى الحضرية والعمال والمناطق المهمشة. لا يوجد دليل يُذكر على تفكك منهجي للحرس الثوري الإيراني أو قوات الباسيج. لا تزال أجهزة الدولة القمعية متماسكة وفعالة، وقدرتها على القمع لم تتضاءل، مما يحدّ بشدة من احتمالية ترجمة دعوات “الإنتفاضة” إلى تغيير في النظام.

وعلى الرغم من الأزمة الإقتصادية العميقة، لا تزال طهران قادرة على تمويل أجهزتها الأمنية وشبكاتها الإقليمية، مما يحافظ على قدرتها على فرض الإكراه في الداخل والردع في الخارج. تشير التجارب التاريخية إلى أن الأنظمة لا تسقط عادةً بمجرد ضعفها، بل عندما تنقسم النخب الحاكمة. تركز التقارير الحالية على التنسيق بدلًا من الإنقسامات العلنية، ومن غير المرجح أن يُقدم المواطنون على الإضراب ما لم يدركوا أن احتمالية النجاح تفوق المخاطر.

أربعة أخطاء استراتيجية
كل هذا يصب في تغذية أربعة أخطاء مترابطة ارتكبها ترامب ونتنياهو.

أولًا، أخطأوا في تقدير عزيمة النظام في مواجهة الهجوم. فقد ظنّ ترامب ونتنياهو أن الضربات المحسوبة والدبلوماسية القسرية ستجبر طهران على التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وبرنامجها الصاروخي، و”خطوطها الحمراء” الإقليمية. إلا أن القادة الإيرانيين أكدوا مرارًا وتكرارًا استعدادهم لتحمّل عقوبات كبيرة، لكنهم لن يستسلموا أبدًا.

ثانيًا، أساءوا فهم العلاقة بين القومية وصمود النظام. فالعدوان الخارجي يميل إلى ترسيخ الدعم الشعبي للدولة، لا تقويضه. وهو يُفعّل ديناميكيات “الإلتفاف حول الراية” التي تسمح للقيادة بقمع المعارضة، بينما تُصوّر نفسها حاميةً للكرامة الوطنية في وجه العدوان الأجنبي.

ثالثًا، بالغوا في تقدير استعداد المعارضة لاستغلال الصدمة. فقد فُسّرت الإحتجاجات المتكررة على أنها شبه ثورية، بينما في الواقع لا تزال المعارضة منقسمة وقد طوّرت الدولة قمعًا محسوبًا وتنازلات انتقائية وتحكمًا إعلاميًا يُدير الإضطرابات دون انهيار النظام.

وأخيرًا، استسلم كل من ترامب ونتنياهو لوهم السيطرة على التصعيد. يبدو أنهما يعتقدان أن بإمكانهما تصعيد الموقف عسكريًا وإضعاف القدرات الإيرانية بشدة مع منع نشوب حرب إقليمية خارجة عن السيطرة أو رد فعل انتقامي واسع النطاق. وقد حذرت طهران مرارًا وتكرارًا من أن أي تهديد وجودي للنظام أو برامجه الأساسية سيؤدي إلى رد فعل واسع النطاق وغير متكافئ. وقد أشعلت الحملة الحالية بالفعل صراعًا أوسع نطاقًا تزعم أنها تسعى لردعه.

نافذة ضعف نتنياهو وحدودها
تستند حجة نتنياهو المزعومة لترامب إلى تفسير يبدو مقنعًا ظاهريًا: دفاعات إيران الجوية أضعف؛ و”محور مقاومتها” فقد مواقع في سوريا؛ واقتصادها يعاني من الركود؛ والإضطرابات الشعبية تتصاعد. وفقًا لهذا الرأي، فإن إيران أضعف من أي وقت مضى، والآن هو الوقت المناسب للضرب.

هذا التحليل ليس دقيقًا تمامًا. فقد واجهت دفاعات إيران الجوية ووضعها الإقليمي واقتصادها ضغوطًا بالفعل. ولكن هذه النكسات لم تمحُ الركائز الأساسية لبقاء النظام: جهاز أمني متماسك، وقوة ردع صاروخية وطائرات مسيرة قوية، ودولة عميقة قادرة على استيعاب خسائر القيادة، ومعارضة عاجزة عن استغلال نقاط ضعف النظام.

من جانبه، فشل ترامب في الإجابة على سؤالين أساسيين في السياسة: لماذا الهجوم على إيران؟ ولماذا الآن؟ يستند تبريره العلني إلى “تهديدات وشيكة” تُشكلها برامج إيران النووية والصاروخية ووكلائها. ومع ذلك، أفادت التقارير في إحاطات لاحقة بأنه لا يوجد دليل على أن طهران على وشك البدء بالهجوم.

لذا، تبدو الحملة أقرب إلى حرب وقائية منها إلى دفاع عن النفس شُنّت على افتراض أن إيران الضعيفة ستنهار تحت الضغط. هذا الإفتراض لا تدعمه الحقائق السياسية أو الإستراتيجية داخل الجمهورية الإسلامية.

مسار سياسي بعيدا ً عن الغطرسة
الدرس واضح: يجب التخلي عن الخطاب حول تغيير النظام وحصر الأهداف في غايات واقعية وقابلة للدفاع عنها، وهي: الردع، والإحتواء، ووضع حدود قابلة للتحقق على أخطر أنشطة إيران. إن الإستمرار على النهج الحالي يُنذر بتكرار أسوأ إخفاقات مغامرات تغيير النظام في الماضي.

لا يُشترط على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تُحبا النظام في طهران، لكن عليهما أن تُدركا بجدية مدى صموده وأن تُصيغا سياساتهما وفقًا لذلك. يجب عليهما السعي إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات. وقد صرّح وزير الخارجية الإيراني بوضوح أن بلاده مستعدة لذلك بمجرد أن تُنهي الولايات المتحدة وإسرائيل أعمالهما العدائية.