كلوا واشربوا ....ولكن لا تسرفوا

بقلم المحامية رانيا أبو عنزه
إن هدر الطعام الذي هو رزق يسره الله للإسان ،في وقت تعج فيه بعض بقع العالم من وطأة المجاعة.
لذلك فإن الهدر يساهم في زيادة الاستهلاك الغير مبرر مما ينعكس سلبًا على التوافر.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه الحديث عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية ، كالخضراوات واللحوم والدواجن، يتكرر مشهدًا آخرلا يقل حضورًا في حياتنا اليومية ، إذ تمتلئ حاويات النفايات بالأطعمة الفائضة نتيجة الإسراف في الطهي والإستهلاك.
مفارقة صادمة تختصر سؤالًا مهمًا: هل المشكلة في الأسعار، أم في سلوكنا؟
الهدر الغذائي هو سلوك اجتماعي متكرريرتبط بالثقافة المجتمعية، حيث ما زال الكثيرون يربطون الكرم بوفرة الطعام على المائدة، علمًا أن مصير ما يزيد عن الاستهلاك هو سلة النفايات.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى نمطية اجتماعية غير مكتوبة، وتبرز هذه الظاهرة بشكل أوضح في بعض المناسبات الاجتماعية،حيث يتم إعداد كميات كبيرة من الطعام تفوق حاجة الحضور بكثير ،لينتهي جزء منها إلى الهدر، في حين كان بالإمكان تنظيم هذه المسألة بطريقة أكثر وعيًا ، كإعادة توزيع ما تبقى من الطعام أو الاستفادة منه بدل رميه.
ونلاحظ سلوكًا آخر يتكرر خصوصًا في فصل الشتاء؛ فبمجرد سماع النشرة الجوية أو توقع حالة جوية معينة، يندفع البعض إلى شراء كميات مضاعفة من المواد الغذائية، وكأن الأمر يتعلق بحالة طوارئ. هذا السلوك يخلق حالة غير متوازنة بين العرض والطلب، مما يسهم في ارتفاع الأسعار و/أو نقص في التوافر.
ومن جهة أخرى، فإن التاجر هو في النهاية مواطن أردني قبل كل شيء، وشريك مع الدولة والمجتمع في الحفاظ على استقرار السوق.
لذلك فإن المسؤولية الأخلاقية تقتضي عدم استغلال الظروف أو رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، وعدم اقتناص الفرص الناتجة عن الأوضاع الإقليمية أوحالة القلق لدى الناس.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق التاجر وحده؛ أيضًا فوعي المواطن يشكل عنصرًا أساسيًا في ضبط السوق.
فحين يلاحظ المستهلك أن تاجرًا يرفع سعر سلعة بشكل غير مبرر، فإن مقاطعة السلعة تصبح رسالة واضحة بأن السوق لا يقبل الاستغلال.
علمًا أن السلع التي تم رفع سعرها عالميًا ،لم يتم استيرادها بعد ولم ينعكاس السعر الجديد عليها.
لذلك ربما حان الوقت لنعود إلى القاعدة البسيطة التي اختصرها القرآن الكريم:
“كلوا واشربوا ولا تسرفوا”.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل وجبة وكل عملية شراء هو:
كم نحتاج فعلًا… قبل أن يتحول الفائض إلى هدر؟
فالهدر الغذائي يتكرر يوميًا بشك واضح فهو ليس مجرد مواد ترمى بل موارد تهدر، ونعمة لا تقدر.
إن التناقض بين الشكوى من ارتفاع الأسعار وبين الاستمرار في هدر الطعام يكشف أن المشكلة هي اقتصادية و سلوكية في آن واحد.



















