+
أأ
-

في زمن الاستقطاب… الأردن أولًا لا يُختزل في (مع أو ضد)

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم د.فوزان العبادي

في خضم الضجيج السياسي الذي يعلو بين الحين والآخر، تبرز محاولات لجرّ الشارع إلى اصطفافات حادة، تُبسط المشهد المعقد إلى سؤال واحد: هل أنت مع إيران أم ضدها؟ وكأن وعي الأوطان يُقاس بهذا الاختزال، وكأن مصلحة الدول تُبنى على إجابات سريعة في لحظات مشحونة.

الحقيقة أن هذا النوع من الطرح لا يخدم أحدًا بقدر ما يفتح الباب أمام انقسام داخلي نحن في غنى عنه. فالدول لا تُدار بمنطق “مع” أو “ضد”، بل بمنطق المصلحة الوطنية العليا، التي تضع الأمن والاستقرار فوق أي اعتبارات أخرى.

في الأردن، نحن لسنا ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لترويج مواقف إقليمية متصارعة. نحن دولة لها أولوياتها، وتحدياتها، وخصوصيتها التي يجب أن تُصان. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ننقل صراعات الآخرين إلى داخلنا، فنبدأ بتقسيم أنفسنا وفق معايير لا تمت لواقعنا بصلة.إن الانشغال بالسؤال: “مع إيران أم ضدها؟” قد يبدو سياسيًا في ظاهره، لكنه في جوهره انحراف عن السؤال الأهم: ماذا يخدم الأردن؟ ما الذي يحمي استقراره؟ ما الذي يعزز وحدته الداخلية؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في صدارة النقاش، لا تلك التي تجرّنا إلى استقطاب لا طائل منه.

توحيد الصف الداخلي ليس شعارًا، بل ضرورة وجودية. فالمجتمعات التي تنجرف إلى الانقسام تفقد قدرتها على مواجهة التحديات، وتصبح أكثر هشاشة أمام أي تأثير خارجي. أما المجتمعات التي تحافظ على تماسكها، فهي الأقدر على تجاوز الأزمات، مهما كانت حدتها.

من هنا، فإن المسؤولية تقع على الجميع، وخاصة الشخصيات العامة، في ضبط الخطاب، والابتعاد عن التصنيفات الحادة، وعدم دفع الناس نحو مواقف متطرفة. فالكلمة التي تُقال في لحظة توتر قد تُحدث شرخًا يصعب ترميمه.

وفي هذا السياق، تبرز قيمة الصمت مرة أخرى، ليس كغياب للموقف، بل كحضور للعقل. الصمت حين يكون الكلام سببًا في الانقسام هو موقف وطني بامتياز. والتروي حين تتسارع الأحكام هو شكل من أشكال الحكمة السياسية.

الأردن أولًا… ليست عبارة تُقال، بل نهج يجب أن يُمارس. أن تكون بوصلتنا الأردن يعني أن نزن مواقفنا بميزان المصلحة الوطنية، لا بميزان العاطفة أو الاصطفاف. يعني أن نختلف دون أن ننقسم، وأن نتحاور دون أن نتخاصم، وأن نحافظ على وحدتنا مهما اشتدت الضغوط.

في زمن الاستقطاب، تبقى الدول التي تعرف أولوياتها هي الأكثر ثباتًا. والأردن، بتاريخِه ووعيه، قادر على أن يبقى كذلك… إذا بقينا جميعًا على قلب رجل واحد، وجعلنا من “الأردن أولًا” حقيقة تُترجم في القول والفعل.