+
أأ
-

فراس النعسان : إنذار أردني قبل الانفجار

{title}
بلكي الإخباري

الأردن في أزمات المنطقة يقول ما يتبيّن لاحقًا أنه الأقرب إلى الواقع. هذه ليست مصادفة، بل نتيجة أسلوب سياسي قائم على قراءة المخاطر قبل وقوعها، لا بعد انفجارها. لذلك بدا تحذير الملك عبدالله الثاني من استغلال التصعيد الإقليمي لفرض واقع جديد في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة امتدادًا طبيعيًا لنهج أردني معروف، قائم على التنبيه المبكر حين يفضّل كثيرون الانتظار.

اللافت في الخطاب الأردني أنه لا يتحرك وفق موجات الانفعال التي تطغى أحيانًا على المنطقة، بل وفق حسابات طويلة المدى. فعمّان تدرك أن أي تغيير أحادي في القضية الفلسطينية لن يبقى حدثًا محليًا، بل سيتحوّل سريعًا إلى عامل عدم استقرار إقليمي، والتجربة علّمت الأردن أن الأزمات في الشرق الأوسط لا تبقى ضمن حدودها الجغرافية، بل تتوسع سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وهو ما يفسر حرصه الدائم على التحذير قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

هذه الواقعية لم تتشكل اليوم. فبعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، كان الأردن من أوائل الدول التي حذّرت من انهيار التوازنات وفتح الباب أمام الفوضى الإقليمية، وهو ما بدا حينها تقديرًا مبالغًا فيه لدى البعض، قبل أن يتحول إلى واقع أعاد رسم خريطة الصراعات. وكذلك الأمر حين نبّه مبكرًا إلى مخاطر صعود التطرف نتيجة الفراغ السياسي والاجتماعي، وهي قراءة لم يدرك العالم خطورتها إلا بعد سنوات من تمدد التنظيمات المتشددة.

ما يمنح الأردن تميزه السياسي ليس فقط دقة قراءته، بل ثبات خطابه. فالموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية بقي قائمًا على مبادئ واضحة، أهمها رفض فرض الوقائع بالقوة، دعم حل الدولتين، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني في القدس. هذا الثبات خلق مصداقية تراكمية جعلت المجتمع الدولي ينظر إلى المواقف الأردنية باعتبارها تقييمًا واقعيًا للمشهد، لا مجرد خطاب سياسي ظرفي.

كما أن الأردن ينطلق من فهم عميق لطبيعة الترابط الإقليمي. فالتصعيد في غزة لا يبقى في غزة، والتوتر في القدس يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدود الصراع المباشر. ومن هنا جاء التحذير الملكي الأخير بوصفه محاولة لمنع انزلاق المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة، حيث قد تُفرض حقائق جديدة يصعب احتواؤها لاحقًا.

الأردن اختار دائماً الابتعاد عن الضوضاء السياسية التي تملأ العالم، وأن يحافظ على لغة هادئة لكنها واضحة. لا يبالغ في الوعود، ولا يندفع في التصعيد، بل يركز على منع الأسوأ قبل وقوعه. وربما لهذا السبب تحديدًا يحظى خطابه باحترام واسع، لأنه لا يقوم على ردود الفعل، بل على فهم عميق لمسار الأحداث.

الواقعية الأردنية اليوم ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل عنصر أساسي في تميزها السياسي. فهي تمنحها القدرة على التحذير حين يصمت الآخرون، وعلى الحفاظ على التوازن حين تميل المنطقة نحو الحافة. وفي هذه اللحظة الإقليمية بالغة الخطورة والحساسية، تبدو هذه الواقعية واحدة من أكثر الأصوات حاجةً للإصغاء، لأنها ببساطة تحاول حماية المستقبل قبل أن يصبح أزمة جديدة.