+
أأ
-

لارا علي العتوم : فائض المواسم وأولوية الأمن الغذائي

{title}
بلكي الإخباري

 

تفرض الزراعة في الاردن نفسها كخيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل بظل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ليس فقط كقطاع اقتصادي، بل كركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، فالتجارب الأخيرة، وفي مقدمتها جائحة كورونا، كشفت أن الدول التي امتلكت قدرًا أعلى من الاكتفاء الذاتي كانت الأكثر قدرة على الصمود، ولوتم توجيه بعض الاستثمارات نحو الزراعة الاستراتيجية في وطننا الحبيب بشكل أسرع بعد الجائحة لكان اليوم أكثر قدرة على الاستفادة من الأزمات المتلاحقة بدل الاكتفاء بالتعامل معها كتهديدات.

استطاع القطاع الزراعي أن يحقق إنجازات مهمة في بعض المحاصيل رغم الطبيعة الجغرافية والمناخية، ومواجهته للعديد من التحديات المزمنة، أبرزها شح المياه، وتذبذب الإنتاج، وارتفاع كلف المدخلات، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، فشهد القطاع الزراعي تقدمًا في زراعة الخضروات، حيث شهد في مواسم معينة فائضًا في إنتاج البندورة والخيار والكوسا، وصل أحيانًا إلى حد الخسارة بسبب ضعف التسويق والتصديركما شهد في فترات أخرى ارتفاعًا حادًا في الأسعار كما يحدث مع بعض انواع الخضار حاليًا نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب بسبب تغيرات الطقس وتراجع الإنتاج في بعض المناطق بالتزامن مع استمرار الطلب، وهو ما يستدعي معالجة سريعة كتنظيم الزراعة الموسمية وتوسيع استخدام البيوت البلاستيكية والتخزين والتصنيع الغذائي لتخفيف التقلبات السعرية، إلا أنه في المقابل لا يزال الأردن يعتمدعلى الاستيراد في محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير والذرة وهي فجوة خطيرة في ظل الاضطرابات العالمية، بما يستوجب إعادة توجيه البوصلة الزراعية نحو ما هو ضروري، وليس فقط ما هو مربح على المدى القصير، فالتركيز على زراعة المحاصيل الأساسية، وعلى رأسها القمح والشعير والبقوليات مثل العدس والحمص، لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية تفرضها الظروف، كترشيد التوسع في المحاصيل التي تعاني من فائض إنتاج، إلا إذا تم ربطها بخطط تصديرية واضحة أو صناعات تحويلية تستوعب هذا الفائض ودعم زراعة الأعلاف بما يسهم في تقليل كلفة الإنتاج الحيواني، ويعزز الأمن الغذائي بشكل غير مباشر، إذ يتطلب دعم القطاع الزراعي تدخلات عملية تبدأ من توفير المياه عبر تقنيات الري الحديثة وتشجيع استخدام المياه المعالجة، وصولًا إلى دعم المدخلات الزراعية وتخفيض كلف الإنتاج. وتطوير سلاسل القيمة من الإنتاج إلى التخزين والتسويق فهذا عنصرًا حاسمًا في تقليل الفاقد وتعظيم العائد الاقتصادي للمزارعين، وعلى وجه الخصوص تمكين الشباب للدخول في هذا القطاع، عبر توفير التمويل والتدريب والتقنيات الحديثة، فمع تلك المعطيات، يصبح من الضروري التعامل مع الزراعة كقضية أمن وطني، وليس مجرد نشاط اقتصادي موسمي فتعزيز الإنتاج المحلي من السلع الأساسية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وبناء منظومة زراعية مرنة وقادرة على التكيف مع الأزمات، هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار، فمع استمرار التحديات، يبقى الرهان الحقيقي على حسن إدارة الموارد، ووضوح الرؤية، والقدرة على اتخاذ قرارات جريئة تعيد للزراعة مكانتها التي تستحقها في الاقتصاد الأردني.

حمى الله أمتنا- حمى الله الأردن