د. يزن دخل الله حدادين : الأردن والسعودية: العمق العربي في مواجهة التحولات الكبرى

العلاقات الأردنية السعودية ليست طارئة ولا ظرفية فهي علاقة تأسست على تداخل الجغرافيا ووحدة الامتداد السياسي، وتطورت عبر عقود طويلة من التفاهم حول أولويات الاستقرار الإقليمي. هذا الثبات في العلاقة يعود إلى إدراك متبادل بأن أمن كل طرف واستقراره يرتبط عضوياً بالآخر في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
ما يفرض نفسه اليوم ليس توصيف هذه العلاقة، بل إعادة اختبار قدرتها على التكيف مع تحولات أعمق، خاصة في ظل التصعيد المرتبط بإيران. هنا تحديداً تظهر أهمية الانتقال من "علاقة مستقرة" إلى "شراكة مُدارة استراتيجياً". التحدي لم يعد في الحفاظ على مستوى التنسيق القائم بل في تطويره ليصبح أداة فاعلة في تشكيل التوازنات الإقليمية، لا مجرد استجابة لها.
إيران، بوصفها فاعلاً إقليمياً في المنطقة تفرض معادلة جديدة في الشرق الأوسط. هذه المعادلة لا تُواجه بخطاب سياسي فقط بل ببناء محور عربي قادر على خلق توازن فعلي. وهنا تبرز العلاقة الأردنية السعودية كنقطة ارتكاز محتملة إذا ما أُعيد تعريفها ضمن إطار أوسع من المصالح المشتركة. الأردن يمتلك موقعاً جيوسياسياً يجعله عقدة وصل بين المشرق والخليج ويمنحه قدرة على قراءة التفاعلات الإقليمية بحساسية عالية، بينما تملك السعودية وزناً سياسياً يتيح لها التأثير في اتجاهات الإقليم وصياغة مساراته. الجمع بين هذين البعدين يمكن أن ينتج ثقلاً استراتيجياً حقيقياً إذا تم توظيفه ضمن رؤية واضحة.
إن التحدي هنا لا يكمن في التهديد الخارجي بحد ذاته بل في كيفية تحويله إلى فرصة لإعادة بناء الداخل العربي. أي تصعيد إقليمي واسع يخلق بالضرورة فراغات في سلاسل الإمداد وتغيرات في طرق التجارة، وضغوطاً على الأمن الغذائي والطاقة. هذه ليست مجرد مخاطر بل نقاط دخول لبناء تكامل فعلي. على سبيل المثال، يمكن تحويل الأردن إلى مركز لوجستي إقليمي يخدم حركة البضائع بين الخليج وبلاد الشام، في حين يمكن تطوير مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والنقل تخلق اعتماداً متبادلاً يقلل من الهشاشة أمام الأزمات.
في البعد الأمني المسألة تتجاوز التنسيق التقليدي. التهديدات الحالية هجينة، تجمع بين البعد العسكري والاقتصادي والسيبراني. التعامل معها يتطلب بناء منظومة مشتركة تقوم على تبادل المعلومات بشكل فوري، وتوحيد تقديرات المخاطر، وتطوير قدرات استجابة سريعة. غياب هذا المستوى من التكامل يعني بقاء كل طرف في موقع رد الفعل، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة المرحلة.
سياسياً هناك حاجة لإعادة تعريف مفهوم "التنسيق" نفسه. التنسيق لم يعد كافياً إذا بقي محصوراً في شؤون محددة. المطلوب هو الانتقال إلى صياغة سياسات مشتركة، خاصة تجاه الملفات الإقليمية المعقدة. هذا يتطلب درجة أعلى من الثقة المؤسسية وآليات واضحة لاتخاذ القرار المشترك بما يحول العلاقة من إطار ثنائي إلى نواة لتحرك عربي أوسع.
التوصيات هنا يجب أن تكون دقيقة وقابلة للتنفيذ. أولاً، إنشاء إطار مؤسسي دائم للتخطيط الاستراتيجي المشترك لا يقتصر على الاجتماعات الدورية بل يعمل على إنتاج سياسات متكاملة. ثانياً، تحديد مشاريع اقتصادية كبرى ذات بعد إقليمي، خاصة في مجالات النقل والطاقة، وربطها بجداول زمنية واضحة وآليات تنفيذ فعالة. ثالثاً، تطوير شراكة أمنية متقدمة تشمل تبادل البيانات وبناء قدرات مشتركة في مواجهة التهديدات غير التقليدية. رابعاً، استثمار البعد الجغرافي بشكل عملي عبر تطوير ممرات لوجستية تجعل من الجغرافيا أداة قوة لا مجرد واقع ثابت.
لذلك فإن التصعيد المرتبط بإيران لا يجب أن يُقرأ فقط كتهديد، بل كاختبار لقدرة الدول العربية على إعادة صياغة علاقاتها على أسس أكثر صلابة. العلاقة الأردنية السعودية تمتلك المقومات اللازمة لتكون جزءاً من هذا التحول، لكن ذلك يتطلب انتقالاً واعياً من إدارة العلاقة إلى توظيفها استراتيجياً. هنا فقط يمكن تحويل التحدي إلى فرصة وبناء نموذج تعاون يساهم في صناعة الاستمرار في نطاق العالم العربي.
محامٍ وخبير قانوني



















