تأثيرات الحرب على إيران تمتد إلى قطاع العقارات عالميا

امتدت تأثيرات الحرب على إيران لتطال قطاع العقارات في مختلف أنحاء العالم، عبر قنوات معقدة تتضمن ارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد شروط التمويل، إضافة إلى اتساع مخاطر الاستثمار. ويعكس تباطؤ القرارات المتعلقة بالاستثمارات طويلة الأجل الأثر الكبير لهذه الحرب.
وأظهرت التقديرات من مؤسسات استثمارية وتصنيف ائتماني أن التأثير الرئيسي على قطاع العقارات مرتبط بالآثار الجيوسياسية، والتي تؤثر بدورها على التضخم وأسعار الفائدة والائتمان. وبدورها، فإن السيولة تتأثر أيضا، مما يزيد من تعقيد الوضع.
وفي هذا السياق، كشفت شركة "لاسال لإدارة الاستثمارات" العالمية، أن القناة الأساسية التي تنتقل عبرها الحرب إلى العقارات تتعلق بأسواق الطاقة. فكل اضطراب في الإمدادات يعزز من التضخم ويؤخر خفض الأسعار، مما يؤدي إلى زيادة العائد المطلوب على الأصول طويلة الأجل. وهذا يضغط على تقييمات العقارات والصفقات الممولة بالدين.
آثار النفط والفائدة على السوق العقارية
وأشارت التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15% يمكن أن يضيف حوالي 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية إلى التضخم في الاقتصادات المتقدمة. مما يعني أن السوق العقارية تواجه صدمة غير مباشرة ولكنها شاملة.
كما أكدت بيانات "فريدي ماك" أن متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لمدة ثلاثين عاما قد بلغ 6.30%. وهذا بعد تراجع كان قد بلغ 5.98% في وقت سابق. وقد أسهمت التقلبات الجيوسياسية في زيادة العوائد، مما دفع السوق إلى حالة من التذبذب.
وعلى صعيد آخر، تراجعت مبيعات المنازل القائمة في مارس بنسبة 3.6%. مما يشير إلى أن الطلب على السكن لا يزال يعاني من حساسية تجاه أي ارتفاع في التمويل أو تراجع في ثقة المستهلك. وهذا يعكس حالة من القلق في السوق.
اختلاف تأثيرات الحرب حسب المناطق
وكانت بيانات موقع "ريلتور دوت كوم" قد أكدت أن السوق الأمريكية كانت تتجه نحو توازن بطيء قبل نشوب الحرب، حيث ارتفع المخزون من المنازل المعروضة للبيع بنسبة 8.1% على أساس سنوي. بينما تراجع السعر الوسيط للقوائم السكنية بنسبة 2.2%. وهذا يعكس تباطؤا في الزخم السعري.
ومع ذلك، قد تؤخر أي موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط أو العوائد هذا التوازن. فهذه الزيادة لا تؤثر فقط على الرهن العقاري، بل تمتد لتشمل تكاليف المعيشة والطاقة، مما يضغط على قدرة الأسر على الشراء.
ومن جهة أخرى، لا تبدو الولايات المتحدة في حالة ضعف مشابه لأوروبا أو آسيا، بفضل كونها منتجا كبيرا للطاقة. ولكن هذا لا يلغي تأثير الحرب على العقارات الأمريكية. حيث أكد كريستيان أولبريش، الرئيس التنفيذي لشركة "جونز لانغ لاسال"، أن الحرب تعزز من عدم اليقين في الاستثمار، مما يؤثر سلبا على قرارات توقيع الإيجارات والالتزامات طويلة الأجل.
التفاوت الجغرافي في التأثيرات
أما بالنسبة للخارج، فتظهر الفوارق بشكل أوضح. إذ تشير "لاسال" إلى أن أوروبا وآسيا أكثر تعرضا لصدمة الطاقة نتيجة اعتمادهم الأكبر على الواردات. في حين توضح بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الجزء الأكبر من النفط العابر لمضيق هرمز يتجه إلى آسيا، حيث تعد اليابان وكوريا الجنوبية من أكثر الاقتصادات اعتمادا على هذا المسار.
وتقدر الوكالة أن نحو 15 مليون برميل يوميا من الخام مر عبر المضيق، أي حوالي 34% من تجارة الخام العالمية. ولذا فإن أي اضطراب مطول سيرفع كلفة الطاقة في الاقتصادات المستوردة، مما يضغط على دخل الأسر وهوامش الشركات، وبالتالي على الطلب العقاري.
وفي السياق الآسيوي، تتضاعف المخاطر. فالحرب لا ترفع فقط فاتورة الواردات، بل تهدد أيضا سلاسل التوريد والنشاط الصناعي. وهذا ينعكس سلبا على العقارات الصناعية واللوجستية والمكتبية، وليس على السكن فحسب.
تحديات جديدة تواجه الأسواق العقارية
في أوروبا، بدأت الحرب تضغط على الثقة الاقتصادية، حيث انخفض مؤشر "زد إي دبليو" لثقة المستثمرين في ألمانيا إلى أدنى مستوى له في أكثر من ثلاث سنوات. وذلك في ظل تصاعد المخاوف من نقص الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ورغم أن هذا المؤشر لا يقيس العقار بشكل مباشر، إلا أنه يعتبر مؤشرا هاما، حيث أن تراجع الثقة وتزايد المخاطر الصناعية والمالية يؤثر عادة على قرارات الاستثمار العقاري، خصوصا في القطاعات التجارية والمكتبية.
أما في الدول العربية، فتظهر المخاطر بشكل مختلف، حيث لا تعود المخاطر في دول الخليج إلى ارتفاع الطاقة، بل إلى إعادة تقييم المستثمرين لمفهوم "الملاذ الآمن" في المنطقة. وقد اعتبرت السوق العقارية الإماراتية في اختبار حقيقي بعد سنوات من الطفرة.
تحديات في القطاع العقاري الإماراتي
وحذرت وكالة فيتش من أن التمويل العقاري التجاري قد يصبح المصدر الرئيسي لتدهور جودة الأصول لدى البنوك الإماراتية. حيث شكل العقار التجاري 13% من إجمالي القروض بنهاية الفترة الماضية. بينما قد تفرض الظروف الاقتصادية الضغوط على العقارات السكنية والتجارية.
وتشير فيتش إلى أن تراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع التكاليف، قد يؤديان إلى ضغوط جديدة على القطاع العقاري. وقد يحول العقار من محرك للنمو إلى نقطة ضغط على ميزانيات البنوك، إذا ما استمر الصراع أو اتسعت آثاره الإقليمية.
وفي النهاية، لا تعني الحرب بالضرورة انهيارا شاملا في قطاع العقارات. فالعقار لديه القدرة على تعويض ارتفاع الأسعار من خلال زيادة الإيرادات، سواء عبر عقود الإيجار أو ارتفاع كلفة الإحلال. ولكن من الضروري اختبار المحافظ العقارية على سيناريوهات أعلى للفائدة وأوسع لعلاوات المخاطر.
















