+
أأ
-

حين تكون الزوجة هي “النص” والمالُ مجرد حبر

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم الدكتورة ريما الشهوان

مستشار وزير الأوقاف للشؤون الأسرية

ليست البيوتُ أبوابًا تُفتح وتُغلق… بل أنفاسٌ تتردّد بين جدارين، وقلوبٌ تتقاسم ثقل الأيام دون أن تُفصح. ليست سقفًا يحجب المطر، ولا مائدةً تُسكِت الجوع… بل سكينةٌ يسكبها الله في القلوب، وطمأنينةٌ تُنسج بخيوط الرضا والتسليم. وقد جعل الله أساس هذه السكينة قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وكأن البيت لا يقوم على الجدران، بل على تلك المودّة التي تُخفف ثقل الحياة، وتُعين على احتمالها… وربما لأن القلوب، مهما ادّعت القوة، تبحث دائمًا عمّن يسندها دون كلام.

هناك، في المساحات التي لا تُرى، تُصاغ الحكاية الحقيقية؛ زوجةٌ تُرتّب الفوضى كما لو كانت تُهذّب ريحًا، وتُخفي تعبها كما يُخفى الدعاء في جوف الليل، حيث لا شاهد إلا الله، ولا رجاء إلا فيه. هي أمينةٌ على نعمةٍ تعلم أن الله سيسأل عنها، فتُحسن التدبير وكأنها تؤدي عبادة، وتُتقن التفاصيل وكأنها تُقيم معنى الاستخلاف في أبسط صوره… وكأنها وحدها تعرف كم من التعب يمرّ ولا يُقال.

فالمرأة لا تمارس تدبيرًا منزليًا فحسب… بل تمارس "كيمياء الوجود"؛ تلك القدرة الربانية التي تمنحها بصيرةً لتحويل "المعدن الجامد" إلى "عاطفة دافئة". هي التي تصهر قسوة الأرقام في بوتقة الرحمة، لتقدمها لأبنائها وزوجها طمأنينةً تؤكل، وستراً يُلبس، وكرامةً تُتنفس. هي تدرك يقيناً أن "البركة" ليست في الكمية، بل في تلك اللمسة الحانية التي تضعها على وجه الرغيف، وفي الدعاء الذي تمسح به على جبين المصروف… تلك اللمسة التي لا تُرى، لكنها تُشعر الجميع أنهم بخير.

ففي ظاهر المشهد، يبدو المال هو البطل… يدخل البيت كيقينٍ محسوس، وكقوةٍ يُشار إليها. لكن ما لا يُرى، هو تلك اليد الهادئة التي تستقبله… يدُ الزوجة، بوصفها حارسةً لمعناه. تُهدّئ اندفاعه، تُجزّئه، وتُعيد له روحه بعد أن كان رقمًا جامدًا، كأنها تُزكّيه بالنية قبل أن تُنفقه بالفعل. هناك، في قلب التفاصيل، تتحوّل النقود إلى سترٍ جميل، وإلى كرامةٍ مصونة، وإلى بركةٍ تمتدّ حيث لا تبلغ الحسابات… وكأنها تقول بصمتها إن الحياة لا تُقاس بما يُدفع، بل بما يُحفظ.

تلك الزوجة التي لا تُنفق فقط، بل تُنصت. تُنصت لحاجةٍ لم تُقال، ولخوفٍ لم يُعلن، ولغدٍ تعرف أنه بيد الله لكنها تأخذ له بالأسباب. تُخفي قلقها كما يُخفي المؤمن رجاءه، وتدّخر لا من فائضٍ، بل من اقتطاعٍ تُؤجر عليه صبرًا واحتسابًا. كأنها تعيش على يقينٍ عميق أن ما عند الله أبقى، وأن ما يُبذل بنيةٍ صادقة لا يضيع… وربما لأنها وحدها تشعر بثقل الغد قبل أن يأتي. في صمتها ذاك، تضطلع بدور "حارسة الكبرياء". تحمي صورة الرجل في عيون أبنائه، وتغزل من صبرها رداءً يستر عثرات الزمان. قد يضيق الرزق، لكنها لا تسمح لضِيقه أن يخدش جدار الهيبة في بيتها. تدبّر في العلن ما استودعته الله في السر، فتبدو الحياة في نظر الآخرين نهراً جارياً، بينما هي في الحقيقة قطرات شحيحة باركتها يدها، فجعلت منها بحراً من الرضا لا يُدرك قاعه… لأن الكرامة عندها ليست رفاهية، بل ضرورة لا تتنازل عنها.

وقد علّمنا الحبيب المصطفى ﷺ أن الرحمة هي أساس العلاقة، لا زينتها، فقال «استوصوا بالنساء خيرًا»، وقال «رفقًا بالقوارير»، وكأن هذا النداء ليس خُلُقًا يُستحسن، بل ميزانٌ يُقام به العدل داخل البيوت، ويُصان به قلبٌ هو أصل الاستقرار… قلبٌ لو انكسر، لم يُرمّم بسهولة. والمفارقة التي تُشبه كشفًا متأخرًا… أن هذا الجمال الخفي لا يُدرك إلا حين تضيق الدوائر، وحين يصبح ما ادُّخر في الصمت هو الفارق بين السقوط والبقاء. عندها فقط، تتبدّى البركة، ويُفهم أن ما حُفظ بنيّةٍ خالصة نما وإن قلّ، وأن ما أُنفِق بإخلاص بقي أثره وإن فني… وأن ما كان يُظن بسيطًا، كان في الحقيقة عظيمًا.

إنها ليست معادلة مالٍ ومصروف… بل حكاية أمانةٍ وصبر. ليست مقارنةً بين من أعطى ومن أخذ… بل بين من عاش اللحظة، ومن ربطها بما بعدها، ثقةً بالله، ويقينًا أن النيات تُرفع، وأن الصبر لا يضيع… حتى وإن لم يره أحد. إنّ العظمة الحقيقية لا تكمن فيمن جلب الحجر لبناء الجدار، بل فيمن ضخّ في الفراغ بين الجدران روحاً جعلت منه سكناً. الزوجة هي ذاك العطر اللاحق الذي يبقى في أرجاء البيت حتى بعد انطفاء الصخب؛ هي اليد التي لا تُرى وهي تبني، لكن أثرها يُرى في عيون الأبناء حين يبتسمون، وفي قلب الزوج حين يسكن… وكأنها تركت شيئًا من روحها في كل زاوية.

في النهاية… البيوت لا تُبنى بما يدخلها من مال، بل بما يُحفظ فيها من معنى. والزوجة، في صمتها الذي يشبه الدعاء حين يُرفع خفية… ليست جزءًا من الحكاية، بل سرّها الذي إن صلح، صلحت، وإن غاب، اختلّت. هكذا تُكتب الحياة… بين يدٍ تُعطي، وقلبٍ يحتسب، وربٍّ كريم لا يضيع عنده شيء.…