+
أأ
-

جمال عقل يكتب : هوية العاصمة عمان بين فقد الملامح أو ترسيخها

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب جمال عقل 

تعد مدينة عمان ، بوتقة حضارية وثقافية شهدت على مر العصور تحولات عميقة ومتنوعة ، ولكن يحضر السؤال الذي يتحدث عن هوية هذه المدينة، ووقوعها بين الضياع المحتمل لملامحها الأصلية أو ترسيخها وتعزيز هذه الملامح ، ليكون محوراً جوهرياً يستدعي التأمل والتحليل ، فكما هو الحال في العديد من المدن الكبرى حول العالم ، تواجه عمان تحديات متزايدة تتراوح بين النمو السكاني المتسارع ، والتوسع العمراني غير المخطط له ، وتأثيرات العولمة ، مما يطرح تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على طابعها الفريد والمميز .

والحديث عن هوية عمان يستدعي العودة إلى جذورها التاريخية ، فمنذ نشأتها كمدينة رومانية حملت اسم فيلادلفيا مروراً بفتراتها الإسلامية المتلاحقة، وصولاً إلى كونها عاصمة لدولة ناشئة في القرن العشرين ، نسجت عمان لنفسها نسيجاً حضارياً غنياً ، وقد ظهرت هذه الهوية في معالمها الأثرية الشاهدة على عراقتها، كالمدرج الروماني ومعبد هرقل، وفي أنماط الحياة الاجتماعية التي حافظت على بعض التقاليد والقيم الأصيلة ، كما تتجلى في طابعها المعماري الذي كان يمزج بين الحجر المحلي والأنماط المستوحاة من الحضارات المتعاقبة، والذي استمر لفترة طويلة ، بحيث  يشكل سمة مميزة لشوارعها وبيوتها .

لكن هذه الهوية التاريخية بدأت تتعرض لضغوط كبيرة مع تسارع وتيرة التحديث والتنمية ، فقد شهدت عمان نمواً سكانياً هائلاً ، مدفوعاً بالهجرات الداخلية والخارجية ، مما استلزم توسعاً عمرانياً غير مسبوق ، وهذه التوسعات التي غالباً ما افتقرت إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى ، أدت إلى ظهور تجمعات عمرانية جديدة تفتقر إلى الأصالة التاريخية والبعد الجمالي ، فالمباني الحديثة ذات التصاميم المتشابهة والمواد المصنعة ، بدأت تطغى على المباني القديمة التاريخية والتراثية ، وتشوه النسيج البصري للمدينة ، حيث أدى هذا التوسع العمراني الأفقي والرأسي أحياناً إلى فقدان العديد من المساحات الخضراء، وإلى زيادة الازدحام المروري ، وإلى إضعاف الروابط الاجتماعية التي كانت تتميز بها الأحياء القديمة.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب العولمة دوراً هاماً في تشكيل هوية المدن الحديثة ، فمن خلال انتشار العلامات التجارية العالمية، والمطاعم ذات الطابع الدولي، وأنماط الاستهلاك المتشابهة، قد تبدو مدن كثيرة وكأنها نسخ متكررة من بعضها البعض ، وعمان ليست استثناءً من هذه الظاهرة ، فنجد في مناطق معينة من المدينة انتشاراً للمقاهي والمحلات التجارية التي تعكس ثقافة عالمية غربية ، مما قد يطمس الملامح المحلية ويضعف الشعور بالانتماء للهوية العمانية الأصيلة ،  بحيث يشعر الزائر، وحتى بعض السكان، بأنهم في أي مدينة حديثة أخرى، مما يقلل من فرادة عمان وتميزها.

ومع ذلك،  فالحديث عن فقدان الهوية المطلق قد يكون مبالغاً فيه ، وهناك  بعض الجهود الحثيثة تبذل لترسيخ الهوية العمانية وتعزيزها، وإن كانت متواضعة وتواجه تحدياتها الخاصة ، وتتمثل هذه الجهود في عدة جوانب : 

أولاً، تبرز أهمية الوعي المجتمعي بضرورة الحفاظ على الموروث الثقافي والتاريخي ، فالمبادرات المجتمعية، والجمعيات الأهلية، والمؤسسات الثقافية تلعب دوراً حيوياً في التعريف بتاريخ المدينة، وتشجيع السياحة الثقافية، وتنظيم الفعاليات التي تحتفي بالتراث الأردني.

ثانياً، تلعب السياسات العمرانية دوراً محورياً في هذا السياق ، فيتزايد الوعي بضرورة دمج العناصر التاريخية والمعمارية الأصيلة في المشاريع التنموية الجديدة ، و لذلك تسعى بعض المشاريع الحديثة إلى استلهام الطابع المعماري التقليدي، واستخدام المواد المحلية، وخلق مساحات عامة تعزز التواصل الاجتماعي ، كما أن جهود ترميم المباني التاريخية، وإعادة تأهيل الأحياء القديمة، تساهم في الحفاظ على بصمات الماضي وجعلها جزءاً حياً من الحاضر ، على سبيل المثال، يشهد وسط البلد التاريخي في عمان جهوداً مستمرة لإعادة الحياة إليه، من خلال ترميم المباني، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنظيم الفعاليات الثقافية والاجتماعية، مما يجعله قبلة للسكان والسياح على حد سواء.

ثالثاً، يمكن لهوية عمان أن تتجلى في جوانب أخرى غير المعمار والتاريخ المادي ، فيمكن للهوية أن تتشكل من خلال الثقافة المحلية، والفنون، والموسيقى، والأدب، والطعام، والتقاليد الاجتماعية ، فالمطبخ العماني، الذي يجمع بين التأثيرات الشرقية والغربية، والقهوة العربية التي تمثل رمزاً للكرم والضيافة ، والأهازيج الشعبية، كلها عناصر تشكل جزءاً من الهوية الثقافية للمدينة ، كما أن طبيعة سكان عمان، الذين يتمتعون بصفات الكرم والود والترحيب، تلعب دوراً أساسياً في تشكيل صورتها الإيجابية.

إن التحدي الرئيسي يكمن في تحقيق التوازن بين التحديث والتطوير والحفاظ على الأصالة ، فالنمو العمراني والتطور الاقتصادي ضروريان لتلبية احتياجات السكان المتزايدة وتحسين مستوى معيشتهم ، ولكن هذا التطور يجب أن يتم بشكل مدروس، يراعي خصوصية المكان ويحافظ على تاريخه وهويته ، لذلك يتطلب الأمر رؤية استراتيجية واضحة، تدمج التخطيط العمراني مع الحفاظ على التراث الثقافي، وتشجع على الابتكار مع احترام التقاليد.

في الختام، فإن هوية العاصمة عمان ليست ظاهرة ثابتة، بل هي عملية مستمرة تتأثر بالعديد من العوامل ، وبينما تواجه المدينة بالفعل تحديات قد تؤدي إلى فقدان بعض ملامحها الأصلية ، فإن هناك أيضاً جهوداً واعية ومتزايدة لترسيخ هذه الهوية وتعزيزها ، ويكمن مفتاح النجاح في إيجاد توازن دقيق بين الضرورات الاقتصادية والاجتماعية ومتطلبات الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي ، فمستقبل هوية عمان يعتمد على قدرة سكانها ومسؤوليها على تبني رؤية شاملة تجمع بين احترام الماضي، والانفتاح على الحاضر، والتخطيط للمستقبل، لتبقى عمان مدينة ذات طابع فريد، تعكس تاريخها العريق وتطلعات مستقبلها.