المهندس محمد عبدالحميد المعايطة يكتب : الأردن ورواندا... وعام الفصل 1994

من المعروف في علم الإدارة أن من أهم أدوات قياس أداء الدول والمؤسسات إجراء المقارنات بينها، خصوصاً عندما تكون الظروف متشابهة أو متقاربة. لكن المفارقة الصادمة تظهر حين نقارن أداء دولة مثل الأردن بدولة أخرى كرواندا، عانت ظروفاً أكثر قسوة وتعقيداً، ثم نجد أن رواندا تتفوّق على الأردن في كثير من المؤشرات والمعايير. هنا يجب طرح السؤال، هل الخلل في القيادة أم الشعب؟
رواندا، كالأردن، لا تملك ثروات طبيعية كبرى تدفع عجلة التنمية أو تُحدث قفزات اقتصادية تلقائية. والأسوأ أنها شهدت عام 1994 واحدة من أبشع الحروب الأهلية في العصر الحديث، ذهب ضحيتها ما يقارب المليون إنسان ،لكن بعد المصالحة الوطنية، ظهرت قيادة استطاعت ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وعلى رأسها المواطنة، والعدالة، والمساواة، والمشاركة في صناعة القرار، مع حصر دور المؤسسة العسكرية في الجوانب الأمنية والعسكرية فقط.
وخلال سنوات قليلة، تحولت رواندا إلى دولة متقدمة في مجالات متعددة، تحقق معدلات نمو مرتفعة، وتخفف من أعباء المديونية، وتستثمر بشكل واضح في التعليم والصحة والبنية التحتية. ولو حظيت بالدعم والمنح التي حصل عليها الأردن لعقود، لربما أصبحت نموذجاً أكثر حضوراً في العالم النامي. كما أن مراجعة موازناتها منذ عام 1994 وحتى عام 2026 تظهر تراجع نسبة الإنفاق على الدفاع والأمن والرئاسة، مقابل ارتفاع الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
أما في الأردن، فكانت مؤسسات الدولة قبل عام 1994 تؤدي مهامها بكفاءة مقبولة، مع تميز واضح مقارنة بالمحيط العربي، خصوصاً في الإدارة العامة والتعليم والصحة. وعندما طُرحت مبررات السلام في ذلك العام، قيل إن الهدف هو تخفيض نفقات الدفاع، وتوجيه الموارد نحو التنمية وتحسين مستوى الخدمات، حتى إن الخطاب الرسمي آنذاك بشّر الناس بأنهم “سيأكلون السمن والعسل” بعد السلام.
لكن، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يعتقد كثيرون أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات، ويمكن تلخيص أبرز الملاحظات بما يلي:
1. بيع جزء كبير من مقدرات الدولة ومؤسساتها العامة.
2. ارتفاع المديونية إلى مستويات غير مسبوقة.
3. زيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية والعسكرية.
4. تراجع الإنفاق النسبي على التعليم والصحة.
5. استمرار الجدل حول نزاهة الحياة السياسية والانتخابات،ورفعنا أعلام العشائر وقلنا الله اكبر.
6. اتساع الشعور بغياب العدالة والمساواة وتراجع الحريات العامة.
صديقي براءّْ يقول : أستطيع تفهّم كثير من سياسات الدولة وخياراتها، بل والدفاع عن بعضها في ظل تعقيدات الإقليم وضغوطه ، فالاندماج في نظام إقليمي تقوده اميركا وقِيمُه الابستينية، يفرض أحياناً أثماناً سياسية واقتصادية واجتماعية. لكن ما يصعب فهمه أو تبريره هو: كيف جرى توقيع اتفاقية سلام وإنهاء حالة الحرب، ثم استمرت نفقات الدفاع والأمن بالارتفاع بدل الانخفاض؟
ولأن “سؤال المليون” يحتاج أحياناً إلى “الاستعانة بصديق”، لجأتُ إلى الذكاء الاصطناعي باحثاً عن تفسير، فجاءت الإجابات على النحو التالي:
1. الخبير “مارك” يقول: المشكلة في الإدارة والقيادة.
2. الخبير “داوود” يقول: الخلل ناتج عن استهداف الدور المحوري للأردن في الإقليم.
3. الخبراء “عمر” و”سميح” و”محمد” و”حسين” يرون أن الأزمة في طبيعة القيادات التقليدية، وأن العرف والعادة والسّواتي تتطلب “مخاتير وشيوخ” على شاكلتهم لمزيد من الاندماج في المشروع الإقليمي، ولكن بقيادة المستعمرة وليس الأمريكي.
4. أما الخبراء “مضحي” و”مصبح” و”متعب”، فيقولون ببساطة: ما دام الشعب صامتاً، فكل شيء على ما يرام، فالصمت دائماً يُقرأ بوصفه علامة رضا وقبول .
المهندس محمد عبدالحميد المعايطة



















