سكك الحديد ليست مجردَ قضبانٍ بل محطة عبورٍ نحو المستقبل

النائب اروى الحجايا
ليستِ السككُ الحديديةُ مجردَ قضبانٍ من فولاذ،
ولا القطاراتُ عرباتٍ تعبرُ المدنَ والحدود،
بل هي شرايينُ حضارةٍ إذا تحركت، دبت الحياةُ في الأطراف،
وانبعث الاقتصادُ من سباته،
وتحوّلت الجغرافيا من خرائطَ صامتةٍ إلى جسدٍ نابضٍ بالحركة والتكامل.
إن مشروع الشركة الإماراتية الأردنية للقطارات والسكك الحديدية ليس مشروعَ نقلٍ فحسب،
بل إعلانُ ميلادِ مرحلةٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ في قلب المنطقة،
مرحلةٍ تُعيدُ للخط الحجازي روحَه التاريخية،
بعد أن ظلَّ طويلًا شاهدًا على زمنٍ مضى،
فإذا به يعودُ اليومَ بلغةِ الاستثمار،
وعقلِ التنمية،
ورؤيةِ المستقبل.
من أبوظبي، حيثُ تتشكلُ المدنُ من طموح،
إلى الرياضِ ومكة، قلبِ الروح الإسلامية،
ثم عمّان، بوابةِ المشرقِ وواسطةِ العقد،
إلى دمشق، تاريخِ الشرقِ العتيق،
حتى إسطنبول، حيثُ تلتقي القاراتُ والحضارات…
يمتدُّ هذا المشروعُ كأنَّهُ خيطُ حريرٍ اقتصاديٌّ يربطُ خمسَ دولٍ بمصيرٍ تنمويٍّ مشترك.
إن استثمارَ سبعةِ ملياراتِ دولارٍ في مشروعٍ كهذا،
لا يعني بناءَ محطاتٍ وسككٍ فقط،
بل يعني خلقَ دورةِ حياةٍ اقتصاديةٍ كاملة؛
ورشُ هندسة،
مصانعُ حديد،
شركاتُ لوجستية،
حركةُ موانئ،
تدريبُ كوادر،
تنشيطُ السياحة،
وآلافُ العقودِ والخدماتِ المساندة التي تتحركُ معها الأسواقُ كما تتحركُ القاطرات.
وأعظمُ ما في المشروع،
أنه لا يمنحُ الشبابَ صدقةَ وظائف،
بل يمنحهم كرامةَ المشاركةِ في صناعةِ المستقبل.
فأربعةُ أعوامٍ أو أكثر من العمل المتواصل،
تعني آلافَ الأسرِ التي ستتنفسُ الطمأنينة،
وآلافَ العقولِ التي ستتحولُ من الانتظارِ على الأرصفة،
إلى المساهمةِ في بناءِ أكبرِ شبكةِ تكاملٍ اقتصاديٍّ في المنطقة.
إن البطالةَ ليست فقط نقصًا في الدخل،
بل هي صدأٌ يصيبُ الطاقات،
ووهنٌ يتسللُ إلى المجتمعات،
وحين تتحركُ المشاريعُ الكبرى،
فإنها لا تُحرّك الاقتصادَ وحده،
بل تُحرّك الأمل.
ولعلَّ أعظمَ ما يميزُ هذا المشروع،
أنه يختصرُ المسافاتِ بين الدول،
وفي الوقتِ ذاته يختصرُ المسافاتِ بين الشعوب.
فالقطاراتُ لا تنقلُ البضائعَ والركابَ فقط،
بل تنقلُ الثقافة،
والسياحة،
والخبرات،
وتصنعُ حالةً من الاعتمادِ الاقتصاديِّ المتبادل،
وهو أعظمُ ضماناتِ الاستقرارِ السياسيِّ والاجتماعي.
لقد أدركتِ الأممُ الكبرى منذ زمن،
أن السكك الحديدية ليست رفاهية،
بل عمودٌ فقريٌّ للاقتصاد الحديث.
فالطريقُ الذي تسيرُ عليه القاطرات،
تسيرُ معه التجارة،
وتنهضُ حوله المدن،
وتزدهرُ الصناعات،
وتكبرُ الفرص.
ولهذا، فإن الشركة الإماراتية الأردنية للقطارات والسكك الحديدية يمكن أن تتحولَ إلى نموذجٍ عربيٍّ ملهم،
يجمعُ بين رأس المال،
والخبرة،
والموقع الجغرافي،
والإرادة السياسية،
ليصنعَ مشروعًا لا يخدمُ دولةً واحدة،
بل يعيدُ رسمَ المشهدِ الاقتصاديِّ للمنطقة بأسرها.
إنها ليست سكةَ حديدٍ فقط…
بل سكةُ عبورٍ نحو مستقبلٍ أكثرَ اتصالًا،
وأوسعَ رزقًا،
وأقربَ حلمًا.



















