منى الغانم تكتُب:- “لستُ حزينا لأنك كذبتَ عليَّ، بل أنا حزينٌ لأنني لن أستطيعَ تصديقكََ بعد الآن!”

إنَّها السَّاعة الثانية ظهرًا..جرسُ الهاتف يرن
إنهُ أخي..الطبيب الحاذق المُغترب في أمريكا. بدأت مكالمة العيد بالسَّلام الحار والإطمئنان على الأهل والأحوال، لكن سرعان ما انزلَقَت من السؤال عن تفاصيل "الشَّوق" إلى تفاصيل "الشَّرق" ! قال لي بنبرة فيها الكثير من التأمُّل:" هل تعرفين يا أختي ما المذهل في حياتنا هنا؟ إنه الصدق.. هنا الصدقُ ليس مجرد شعار، بل هو مبدأ وقانون حياة.. إذا أخطأتَ في عملك وصدقت، قد يسامحونك، أما إن كذبت لتغطي خطأكَ، فقد انتهت حياتك المهنية والاجتماعية أيضا..فالكذب ذنبٌ غير مغفور..!" هنا نزلت هذه الكلمات على مسمَعي كالصاعقة..عندها ضغطتُ على زر مكبر الصوت، وأَسندتُ رأسي للخلف وأنا أستمعُ إليه، في تلك اللحظة قَفَزت إلى رأسي فورا فكرة المقارنة المريرة مع واقعنا في الشرق"الكذبُ ملح الرجال" و "اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقكَ الناس"! تذكرتُ كيف تحوَّل الكذب عند بعض الناس إلى شطارة و "دبلوماسية" وكيف تغلغل إلى أدقّ تفاصيل حياتنا اليومية.. فالبائعُ يلجأ إليه ليكسب قرشا، والموظف ليتهرب من مسؤوليته، والصديق ليجامل صديقه، و…حتى أصبح الصادق يوصف "بالمغفل"!
بتُّ أتساءل في داخلي كيف يحدث هذا ونحن أصحاب المنظومة الأخلاقية والدينية؟! ما الذي جعل الصدق ريبةً والكذب طمأنينة؟! "هناك" تُدار الأمور بمنطق "أنت صادق حتى يثبت العكس" والويل لكَ إن ثبتَ العكس!!
أما لدينا فقد تآكلت الثقة وذهب معها الصدق حتى أصبح الوهم هو المسيطر.
إذا أردنا لشرقنا أن ينهض مجددا علينا أن نكسر تلك الحلقة المفرغة من الأكاذيب المشرعنة. الصدمة الكبرى ليست في وحش المقارنة من حيث أن الغرب يقدِّس الصدق وأننا نبذناه، بل الصدمة هي أنك الآن أيُّها القارئ وأنت تقرأ سطوري وتهز رأسك موافقا قد تكون تُجَهز كذبة صغيرة أو "بيضاء" كما يسمونها لموقف ما مجرد أن ترفع عينيك عن الشاشة!! المرعب أننا أصبحنا نكذب حتى صدَّقنا أننا مع هذا الكم من الكذب شرفاء!! هذا يُذكرني بعبارة نيتشه الشهيرة:-
“لستُ حزينا لأنك كذبتَ علي، بل أنا حزين لأنني لن أستطيعَ تصديقكَ بعد الآن!”
أنهيتُ المكالمة مع أخي، وأغلقتُ شاشة هاتفي، والغرفة تعجُّ بصمتٍ ثقيل وليس في رأسي سوى فكرة واحدة : نحن لا نكذب لننجو فحسب، بل لدينا "هندسة وراثية" بالكذب حتى بات الصدقُ ضربا من الحماقة!
شكرا لك أخي..فمكالمتكَ هذه أيقظَت الكثير في داخلي!!



















