نساء أردنيات يتحولن إلى رائدات في الاقتصاد المحلي

في أرجاء العاصمة الأردنية عمان، تستيقظ شهناز بني طعان لتبدأ يومها بإعداد أطباق تراثية تحمل نكهات من مسقط رأسها في بلدة بيت راس. وتعتبر السيدة المتقاعدة مشروعها أكثر من مجرد وسيلة لكسب المال، بل تراه رسالة للحفاظ على التراث الأردني ونقل نكهات الأجداد للأجيال الجديدة. وتعتبر هذه المبادرات جزءاً من الاقتصاد المحلي الذي يشكل مصدر رزق مستدام للعديد من الأسر.
تنتشر قصص مشابهة في مختلف أنحاء الأردن، حيث تسعى نساء أردنيات لإنشاء مشاريع منزلية صغيرة في مجالات متعددة مثل الأغذية التراثية والحرف اليدوية. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع معدلات بطالة النساء وصعوبة الحصول على وظائف تقليدية. وهذه المشاريع تعكس ملامح ما يعرف بـ "الاقتصاد الصغير"، الذي أصبح مصدراً مهماً للدخل بالنسبة للكثير من الأسر الأردنية.
تزداد أهمية هذه الظاهرة مع استمرار الفجوة بين معدلات البطالة بين الذكور والإناث. فقد أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية أن معدل البطالة بين النساء بلغ 32.7% في الربع الأول من العام الحالي، وهو رقم يتجاوز الضعف مقارنة بالذكور.
من التقاعد إلى مشروع يحيي التراث
بعد أكثر من 22 عاماً في خدمة الجامعة الأردنية، قررت شهناز بني طعان أن تحول مسار حياتها المهنية إلى مشروع منزلي. لم يكن التقاعد خياراً لها، بل اختارت استثمار شغفها بالأكلات التراثية في مشروع خاص. وتوضح أن الإقبال على منتجاتها لم يعد مقتصراً على سكان محيطها، بل شمل المغتربين الذين يطلبون هذه الأطباق عبر أقاربهم.
تعتمد شهناز على التسويق الإلكتروني من خلال منصات التواصل الاجتماعي، حيث تعرض منتجاتها وتستقبل الطلبات من جميع أنحاء المملكة. وتؤكد أن وسائل التواصل أصبحت أداة حيوية لنجاح المشاريع المنزلية.
ترى شهناز أن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال، بل هو مصدر للطاقة والثقة. وتؤكد أن كل امرأة تحمل مهارة يمكنها تحويلها إلى مشروع ناجح، مهما كانت الظروف.
فن المكرميات كوسيلة للإبداع
تعمل المهندسة المعمارية الأردنية وسام جابر على تصميم قطع فنية يدوية باستخدام فن المكرمية، الذي يعتمد على نسج الخيوط عبر العقد المختلفة. ويعتبر هذا الفن وسيلة للتعبير الإبداعي ومصدراً إضافياً للدخل. وتقوم وسام بتسويق منتجاتها عبر وسائل التواصل، وتتطلع إلى دمج خبرتها في الهندسة مع فن المكرمية لتطوير تصاميم جديدة.
تحتاج وسام إلى ساعات عديدة لإنجاز بعض القطع، وهي تستخدم ألواناً وأحجاماً مختلفة وفقاً لطلبات الزبائن. وتؤكد أن هذا الفن أصبح جزءاً من حياتها اليومية، حيث يسهم في تعزيز استقلاليتها المالية.
من جانبها، اختارت يسرى الحياري من مدينة السلط الحفاظ على التراث من خلال تقديم أكلات شعبية بطريقة تقليدية. وتؤكد أن مشروعها أصبح وجهة للزوار من داخل وخارج الأردن، حيث تقدم أطباقاً مثل المنسف والمقلوبة.
الطبخ الشعبي بوابة إلى العالم
تقول يسرى إن مشروعها بدأ كوسيلة للحفاظ على التراث، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى تجربة سياحية مميزة. وتستقبل طلبات من زوار من دول الخليج وأوروبا، مما يدل على أن التراث يمكن أن يتحول إلى منتج اقتصادي يجذب الزبائن.
نجاح مشروع يسرى لم يكن نتيجة لرأس المال الكبير، بل جاء نتيجة سنوات من الخبرة والإصرار. وتؤكد أن المحافظة على الجودة والأصالة كانت عوامل رئيسية في تحقيق النجاح.
تسعى مريم محمود صايمة، شابة أردنية، إلى بناء مشروعها في مجال المخبوزات والحلويات. بدأت مريم بتطوير مهاراتها من المنزل، قبل أن تطلق مشروعاً يعتمد على التسويق الإلكتروني. وتؤمن أن المشاريع المنزلية تمثل فرصة حقيقية للنساء اللواتي لم يجدن فرص عمل.
الاقتصاد الصغير بأرقام كبيرة
رغم أن هذه المشاريع تبدو صغيرة على المستوى الفردي، إلا أن أثرها الاقتصادي يتجاوز حدود المنازل. وفق بيانات غرفة صناعة الأردن، تشكل النساء نحو 37% من إجمالي القوى العاملة الصناعية، مما يعكس دورهن الفعال في النشاط الاقتصادي.
تواجه النساء صاحبات المشاريع العديد من التحديات، بما في ذلك محدودية التمويل وصعوبة الوصول إلى الأسواق. وتعتبر مشكلة التسويق من أبرز العقبات، خاصة في ظل المنافسة الكبيرة.
ومع ذلك، تشير التجارب إلى أن الإصرار والتكنولوجيا الحديثة ساعدا في تخطي جزء من هذه العقبات، حيث أتاح انتشار التجارة الإلكترونية للمشاريع المنزلية الوصول إلى أسواق واسعة.



















