مستقبل الدولار: تراجع تدريجي أمام الضغوط الاقتصادية

تشهد الساحة الاقتصادية العالمية نقاشات متزايدة حول مستقبل الدولار الامريكي ومكانته كعملة احتياط رئيسية. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يتزايد الحديث عن إمكانية تقليص الاعتماد على الدولار من قبل دول كبرى. وقد أكد المحلل الاقتصادي ديفيد رونيكل أن الحديث عن انهيار وشيك للدولار يتجاهل دروس التاريخ، موضحا أن العملة الأمريكية قد تتراجع تدريجيا لكنها لن تنهار بشكل مفاجئ.
وأضاف رونيكل في تحليل نشره معهد تشاتام هاوس البريطاني أن النقاش ينقسم بين وجهتين نظر. الأولى تدعي أن العالم يقترب من نقطة تحول يتخلى فيها عن الدولار، بينما ترى الثانية أن المقومات الاقتصادية والمؤسسية للولايات المتحدة ستضمن استمرار هيمنة عملتها على الرغم من التقلبات السياسية والاقتصادية.
وشدد رونيكل على أن كلا الرأيين يغفلان عاملا أساسيا، وهو التجربة التاريخية للعملات المهيمنة، حيث أشار إلى الجنيه الإسترليني الذي هيمن على الاقتصاد العالمي في القرن التاسع عشر قبل أن يتراجع تدريجيا لصالح الدولار.
الإسترليني.. نموذج لفهم مستقبل الدولار
يوضح التحليل أن بريطانيا كانت القوة التجارية الأولى عالميا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث استحوذت على نحو 30% من التجارة العالمية، وكانت 60% من المبادلات التجارية الدولية تسعر وتسدد بالجنيه الإسترليني. ورغم أن النفوذ الاقتصادي والعسكري البريطاني بلغ ذروته خلال تلك الحقبة، فإن انتقال مركز الثقل المالي إلى الدولار استغرق عقودا طويلة.
وأشار رونيكل إلى أن الجنيه الإسترليني ظل يؤدي دورا عالميا مؤثرا حتى سبعينيات القرن العشرين، أي بعد نحو قرن من بدء التراجع النسبي للقوة البريطانية. ويتضح من خلال هذه التجربة أن هيمنة العملات لا تنتهي بشكل مفاجئ، بل عبر مسار طويل ومعقد تحكمه شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والمالية العالمية.
ويستمر التحليل بالإشارة إلى أن التحولات في هيمنة العملات لا تحدث بين ليلة وضحاها، بل تتطلب تغيرات تدريجية في العوامل الاقتصادية والسياسية.
هل توجد بدائل للدولار؟
يرفض التحليل الطرح القائل بعدم وجود بديل للدولار، موضحا أن هيمنة أي عملة لا تعني غياب المنافسين. فحتى خلال ذروة نفوذ الجنيه الإسترليني، نافسته عملات أخرى مثل الفرنك الفرنسي والمارك الألماني.
ويشير رونيكل إلى أن اليورو يحتفظ بحصة مستقرة تقارب 20% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، في وقت تراجعت فيه حصة الدولار من نحو 75% إلى أقل من 60% خلال ربع القرن الماضي. كما أن الصين ومنطقة اليورو تمثلان شريكين تجاريين رئيسيين لمعظم دول العالم، مما يمنح اليورو والرنمينبي الصيني فرصا أكبر لتعزيز حضورهما مستقبلا.
ويخلص رونيكل إلى أن مستقبل الدولار قد يشهد انحسارا تدريجيا في النفوذ، إلا أن التشابك العميق للاقتصاد العالمي مع العملة الأمريكية يجعل سيناريو الانهيار المفاجئ مستبعدا في المستقبل المنظور.
التكنولوجيا لا تكفي لحماية الهيمنة
ويستبعد رونيكل أن يكون انتشار العملات المستقرة المرتبطة بالدولار كافيا لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية. ويرى أن العامل الحاسم يبقى قدرة الدولة المصدرة للعملة على توفير أصول آمنة وموثوقة تجذب المستثمرين.
ويقول: "تهيمن العملة عندما تكون هي وحدة حساب الأصول الآمنة"، مشيرا إلى أن الثقة والحجم الاقتصادي والمصداقية المالية هي الأساس الحقيقي لقوة أي عملة عالمية.
ورغم استمرار الدولار في الاستفادة من مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية ومن دوره كملاذ آمن، إلا أن بعض المؤشرات تعكس تزايد الضغوط عليه.
ضغوط متزايدة على الدولار
تشير أحداث مرتبطة بالتوترات العالمية إلى أن الدولار قد يواجه ضغوطا متزايدة، حيث انخفضت الأسهم الأمريكية وارتفعت عوائد السندات وتراجع الدولار في الوقت نفسه. وقد وصف هذا بأنه "مزيج يعكس بوضوح دلالات عملة تعاني من ضغوط".
ويستنتج رونيكل أن العوامل التي قادت إلى تراجع الجنيه الإسترليني قبل قرن بدأت تظهر بدرجات متفاوتة في الحالة الأمريكية أيضا. ويختتم تحليله بالقول: "قد يكون التراجع بطيئا، لكن هذه الضغوط أصبحت واضحة بالفعل".
العوامل التي قادت إلى تراجع الجنيه الإسترليني قبل قرن – وعلى رأسها التراجع النسبي للقوة الاقتصادية والعسكرية – بدأت تظهر بدرجات متفاوتة في الحالة الأمريكية أيضا.



















