+
أأ
-

قانون الإدارة المحلية… من النقاش المنفرد إلى الحوار الحزبي المشترك

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم: عبد الله مصطفى السعود

 

تكتسب القوانين الوطنية الكبرى قيمتها الحقيقية من جودة الحوار الذي يسبق إقرارها، لا من عدد المؤيدين أو المعارضين لها. فكلما اتسعت دائرة النقاش، ازدادت قدرة التشريع على التعبير عن المصلحة العامة، وترسخت الثقة بكونها نتاج شراكة وطنية حقيقية.

ومع اقتراب مجلس النواب من مناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية في دورته الاستثنائية، شهدت الساحة الحزبية حراكاً تمثل في مؤتمرات وورش عمل ولقاءات خصصتها الأحزاب لمناقشة المشروع وتقديم رؤاها بشأنه. ويعكس هذا الحراك اهتماماً متزايداً بالشأن التشريعي، ويؤكد تنامي دور الأحزاب في النقاش العام.

غير أن هذه اللقاءات جرت، في معظمها، بصورة منفصلة، حيث ناقش كل حزب مشروع القانون ضمن أطره الداخلية، دون وجود مساحة حوارية تجمع مختلف القوى السياسية لتبادل الرؤى ومناقشة نقاط الاتفاق والاختلاف، وصولاً إلى رؤية وطنية أكثر تكاملاً بشأن أحد أهم التشريعات المطروحة على مجلس النواب.

ولا يعود ذلك بالضرورة إلى تباين المواقف، بقدر ما يعكس حاجة التجربة الحزبية إلى ترسيخ ثقافة العمل المشترك. فالحوار بين الأحزاب لا يقل أهمية عن الحوار مع مؤسسات الدولة، لأنه يسهم في صياغة رؤى أكثر وضوحاً وتكاملاً قبل إحالة مشاريع القوانين إلى مجلس النواب، ويمنح التشريعات قدراً أكبر من التوافق المجتمعي.

ويعد قانون الإدارة المحلية من التشريعات الوطنية الكبرى التي تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، وتعزز مشاركة المواطنين في صنع القرار، وتنعكس آثارها مباشرة على التنمية المحلية، وجودة الخدمات. ومن هنا، فإن مناقشته بمنطق الشراكة الوطنية تثري مخرجاته، وتسهم في تعزيز الثقة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة.

ولا شك أن اختلاف وجهات النظر بين الأحزاب يمثل جوهر العمل الديمقراطي، لكنه لا يتعارض مع الحوار، بل يمنحه قيمته الحقيقية. فالحوار المشترك لا يعني توحيد المواقف، وإنما توظيف تنوع الآراء والخبرات للوصول إلى تشريعات أكثر توازناً وكفاءة.

لقد دخل الأردن مرحلة جديدة عنوانها تحديث المنظومة السياسية، وهي مرحلة تتطلب من الأحزاب الانتقال من العمل المتوازي إلى العمل المشترك، وجعل القضايا الوطنية الكبرى منطلقاً للحوار المسؤول، بدلاً من الاكتفاء بتعدد المنابر. فكلما اتسعت دائرة النقاش، ارتفعت جودة التشريعات، وتعززت ثقة المواطنين بالأحزاب باعتبارها شريكاً في صناعة السياسات العامة.

ومن هنا، أوجّه دعوةً إلى الأحزاب السياسية الأردنية للانتقال من النقاش المنفرد إلى الحوار المشترك، وجعل مشروع قانون الإدارة المحلية نموذجاً للشراكة الوطنية في مناقشة التشريعات الوطنية الكبرى، بما يعزز جودة التشريع ويكرس ثقافة الحوار التي يقوم عليها مشروع التحديث السياسي.

فنجاح مشروع التحديث السياسي لا يقاس بإقرار القوانين وحدها، بل بقدرة القوى السياسية على إنتاج حوار وطني يسبق التشريع ويثريه، ويجعل من الاختلاف مدخلاً إلى التوافق، بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز مسيرة الإصلاح السياسي.

عبد الله مصطفى السعود

abdallahm.alsoud@gmail.com