مهرجان جرش عندما يتم استهدافه .. فالمستهدف وطن

خاص بلكي نيوز
لطالما شكل مهرجان جرش للثقافة والفنون ، بعبق تاريخه العريق وثرائه الثقافي ، منصة إبداعية تجذب الأنظار وتثير الاهتمام ، فهو ليس مجرد حدث فني عابر، بل هو واجهة ثقافية تعكس هوية الأمة وحضورها على الساحة الدولية.
ومع ذلك ، لا يخلو أي حدث ثقافي بهذا الحجم من التعرض للنقد ، وأحياناً للهجوم الشديد ، وعندما يصبح مهرجان جرش هدفًا للانتقادات والهجمات ، يبرز سؤال جوهري : لمن تصب هذه الانتقادات وفي مصلحة من ؟ .
إن تحليل دوافع هذه الهجمات وكشف المستفيدين منها يكشف عن شبكة معقدة من المصالح المتضاربة والرؤى المتباينة ، ففي جوهره يمثل مهرجان جرش قيمة مضافة للأردن ، فهو يعزز السياحة الثقافية ، ويدعم الاقتصاد المحلي ، ويشجع على الإبداع الفني ، ويساهم في بناء جسور التفاهم الثقافي مع الشعوب الأخرى ، فأي انتقاد أو هجوم يستهدف هذا المهرجان ، سواء كان نابعًا من دوافع بناءة أو هدفه التخريب، يحمل في طياته تداعيات على هذه الجوانب الإيجابية ،
ومن أبرز المستفيدين المحتملين من الهجوم على مهرجان جرش هم أولئك الذين يرون فيه تهديدًا لقيم أو أيديولوجيات معينة ، قد تنبع هذه الانتقادات من تيارات محافظة ترى في بعض الفعاليات الفنية أو الفنانين المشاركين خروجًا عن المألوف أو انحرافًا عن التقاليد ، هذه الرؤى وإن كانت تعبر عن مخاوف مشروعة لدى شريحة من المجتمع ، إلا أنها قد تتطور إلى هجوم ممنهج يهدف إلى تقييد الحريات الفنية والإبداعية ، ومنع أي شكل من أشكال التعبير الذي لا يتفق مع رؤيتها الضيقة ، في هذه الحالة فإن الهجوم يصب في مصلحة القوى التي تسعى إلى فرض وصايتها الفكرية والثقافية ، وقمع أي صوت يخرج عن السرب.
وهناك فئة أخرى قد تجد مصلحتها في تشويه صورة المهرجان ، وهم أولئك الذين يسعون إلى استغلال أي ثغرة أو خطأ لخدمة أجندات سياسية أو شخصية ، وقد يتم توظيف الانتقادات ، حتى لو كانت في ظاهرها فنية أو تنظيمية ، كأداة للضغط على الجهات المنظمة أو حتى الحكومة ، بهدف تحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمهرجان نفسه ، وفي هذا السياق يصبح الهجوم مجرد ورقة مساومة أو سلاحًا لابتزاز ، حيث يسعى المهاجمون إلى إحداث بلبلة وفوضى لإظهار عجز الجهات المسؤولة، وبالتالي فتح الباب أمام تدخلاتهم أو تحقيق أهدافهم الخاصة.
من ناحية أخرى ، قد تأتي الانتقادات من جهات تنافسية أو تلك التي لديها مصالح اقتصادية تتعارض مع نجاح المهرجان ، على سبيل المثال، قد ترى بعض الجهات السياحية أو الاقتصادية في المهرجان منافسًا لها، خاصة إذا كان يجذب شرائح معينة من السياح أو المستثمرين ، في مثل هذه الحالات قد يتم توظيف حملات تشويه منهجية عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي لتثبيط عزيمة الجمهور أو إثارة الشكوك حول جودة المهرجان أو قدرته على تحقيق أهدافه. والهدف هنا هو ضرب المهرجان في عقر داره ، وتقويض سمعته ، وبالتالي تحويل الاهتمام أو الاستثمار نحو بدائل أخرى تخدم مصالحهم.
أيضا لا يمكن إغفال دور بعض وسائل الإعلام أو النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي الذين قد يتبنون نهجًا نقديًا مبالغًا فيه أو متحيزًا ، في عصر المعلومات المتدفقة ، ويصبح من السهل نسبيًا إثارة الجدل حول أي حدث ، خاصة إذا كان يحظى بشعبية واسعة ، قد تسعى بعض هذه الجهات إلى جذب الانتباه وزيادة نسبة المشاهدات أو التفاعلات عبر تبني مواقف مثيرة للجدل أو التركيز على السلبيات فقط، بغض النظر عن الصورة الكاملة أو الجوانب الإيجابية. في هذه الحالة، قد لا يكون هناك مصلحة مباشرة في إلحاق الضرر بالمهرجان بحد ذاته ، بقدر ما تكون هناك مصلحة في تحقيق الشهرة أو الانتشار من خلال إثارة الجدل.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن بعض الانتقادات قد تكون مشروعة ونابعة من رغبة حقيقية في تطوير المهرجان وتحسين أدائه ، وتتعلق هذه الانتقادات بالجوانب التنظيمية ، أو جودة الفعاليات ، أو مستوى المشاركة المجتمعية ، أو حتى الجانب المالي ،
فعندما يتم تقديم هذه الانتقادات بطريقة بناءة وهادفة ، فإنها تخدم مصلحة المهرجان نفسه ، وتساعد على الارتقاء به إلى مستويات أفضل ، ولكن عندما تتحول هذه الانتقادات إلى هجوم ممنهج ، وتصبح مجرد وسيلة لإثارة الضجيج دون تقديم حلول أو اقتراحات عملية ، فإنها قد تفقد قيمتها البناءة وتتحول إلى أداة تعيق التقدم.
إن تحليل المستفيدين من الهجوم على مهرجان جرش يكشف عن طبيعة الصراعات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي قد تدور في مجتمع ما ، فقد تكون هناك قوى تسعى إلى الانغلاق الثقافي، وقوى أخرى تسعى إلى تحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، وقوى ثالثة تسعى إلى تحقيق أهداف اقتصادية تنافسية ، وفي خضم هذا كله ، يبقى الجمهور والمجتمع ككل هو الخاسر الأكبر إذا ما تمكنت هذه الهجمات من تقويض هذا الصرح الثقافي الهام.
لذلك، يتطلب الأمر وعيًا مجتمعيًا ونقديًا مدروسًا عند تقييم مهرجان جرش ، ويجب التمييز بين النقد البناء الذي يهدف إلى التطوير ، والهجوم الهدام الذي يسعى إلى التخريب.
إن فهم الدوافع وراء هذه الانتقادات والهجمات يساعد على حماية المهرجان من الانجرار وراء أجندات لا تخدم الثقافة والفن ، بل تسعى إلى استغلالهما لتحقيق مصالح ضيقة ، و يجب أن يكون الهدف الأسمى هو الحفاظ على جرش كمنصة إبداعية نابضة بالحياة ، تعكس حضارة الأمة وتساهم في بناء مستقبل ثقافي مزدهر.
لذلك فالتصدي لهذه الهجمات يتطلب تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني والفنانين والإعلاميين ، لخلق بيئة داعمة للإبداع ، وقادرة على مواجهة أي محاولات للتشويه أو التخريب ، بما يخدم المصلحة الوطنية والثقافية العليا.
















