مادبا في السردية الأردنية... شاهد حي على التاريخ والهوية والعيش المشترك

-أكد باحثون وكتاب أن مدينة مادبا تقف شاهدا حيا على السردية الأردنية، بما تحتويه من إرث تاريخي وثقافي وأدبي واجتماعي يعكس امتداد الدولة والإنسان على أرض الأردن عبر العصور.
واكدوا أهمية توثيق السردية الأردنية حماية للهوية الوطنية والتصدي لمحاولات تشويه تاريخ الأردن، عارضين لشواهد تاريخية وأدبية توثق مكانة مادبا بوصفها حاضنة للحضارات ومنطلقا لحكايات الإنسان الأردني وقيمه القائمة على التعددية والعيش المشترك والتماسك الاجتماعي.
وقال الباحث والكاتب أشرف الضباعين، إن الأردن نشأت فيه بحسب الكثير من الشواهد الأثرية والمصادر التاريخية الكثير من الممالك والإمارات والدول الأردنية عبر التاريخ وأبرز ما يميز الممالك الأردنية أنها نشأت أو انطلقت من الأردن وكانت على أنواعها وأشكالها وبساطتها أو تعقيدها وحجمها تمتد منذ العصور الحجرية حتى المملكة الأردنية الهاشمية.
وبين أن تقديم السردية الأردنية ضرورة للتصدي لكل محاولات التشويه التي تطال الأردن التي كانت ولا زالت أرضا ومنبعا لحضارات هامة ومحورية في الشرق وأن هذه الحضارات والممالك قدمت للإنسانية نموذجا فريدا في الدولة وفي السياسة وفي نشوء وتطور الديانات وكافة مناحي الحياة.
وأوضح أن إحدى السرديات الخاصة بمدينة مادبا هو مملكة "الضجاعمة"، وهي قبيلة عربية قضاعية نشأت في الأردن قبل الفتوحات الإسلامية وذكرت نصوصها التاريخية أن أشهر ملوكها داوود بن الهبولة وكان مقامه مدينة مادبا.
وأضاف، إن الملك داوود خاض الكثير من الغزوات على القبائل العربية المحيطة وعرف بالجرار، ثم أصبح نصرانيا مسيحيا فكره الدماء والقتل، وبنى ديرا سمي على اسمه "دير داود" فكان ينقل الطين والماء على ظهره ولم يثبت بالمصادر التاريخية حتى الآن إلى أن موقع هذا الدير في مادبا.
من جانبه، قال الشاعر الدكتور بكر السواعدة أن مادبا كانت حاضرة في السردية الأردنية؛ فأول مسرحية أردنية كانت مسرحية (امرؤ القيس) التي عرضت على مسرح مدرسة دير اللاتين في مادبا.
وأضاف إنه في خمسينيات القرن الماضي ألف العلامة روكس بن زائد العزيزي، وقد أرخ فيه لمادبا وتحدث عن علاقة الإنسان المادبي بالمكان، فيما تعد رواية (سلطانة) التي نشرت عام 1989 للأديب الراحل غالب هلسا توثيقا لحياة المادبيين في بدايات القرن العشرين.
وبين أن رواية (حكايات المقهى العتيق) التي نشرت عام 2020 وشارك في كتابتها تسعة كتاب من مادبا إطلالة على تاريخ مادبا عبر تسع حقب زمانية منذ عهد الملك المؤابي (ميشع) وصولا إلى العصر الحديث، فيما يعد كتاب (من الذاكرة.. مأدبا الإنسان والمكان) الصادر حديثا للباحث الدكتور عبد الله راجي الرضاونة توثيقا تاريخيا واجتماعيا لمادبا، المكان والإنسان.
واكد ان هذه الكتابات أسهمت في إبراز المكان بوصفه مؤثرا بالإنسان ومتأثرا به، وتبرز كذلك فسيفساء المادبيين الذين امتازوا بالعيش المشترك؛ فلا فرق فيها بين مسلم ومسيحي، ولا بين شرقي وغربي.
بدوره، أكد الكاتب والصحفي أحمد طالب الشوابكة، أن الأمكنة في مادبا لم تكن مجرد شوارع وأسواق وحارات، بل كانت ذاكرة نابضة بالحياة احتضنت الإنسان وشكلت شخصيته ورسخت منظومة من العادات والتقاليد التي أصبحت جزءا أصيلا من هوية المدينة.
فقد كانت الحارات القديمة والسوق والساحات والمقاهي وعتبات البيوت فضاءات اجتماعية يتلاقى فيها الناس، ويتبادلون الاحترام والمحبة، ويتوارثون قيم الكرم وحسن الجوار جيلا بعد جيل.
وأضاف، إن أجمل ما ميز المجتمع المادبي قديما هو عادة التزاور التي لم تكن ترتبط بمناسبة أو موعد، بل كانت سلوكا يوميا يعكس عمق الألفة بين الناس.
وأشار الى أن الأبواب كانت مفتوحة والوجوه مألوفة فلا يحتاج الجار إلى دعوة مسبقة لزيارة جاره ولا القريب إلى مناسبة للقاء قريبه، لأن العلاقات الاجتماعية كانت تقوم على المحبة والاحترام والشعور بالانتماء إلى مكان واحد.
أما المشاركة في الأفراح والأتراح فكانت من أسمى صور التكافل الاجتماعي، ففي الأعراس كانت الحارات بأكملها تتحول إلى بيت واحد، يتشارك الجميع في الإعداد والاستقبال والضيافة، بينما كانت بيوت العزاء تستقبل أبناء المدينة الذين يهبون لتقديم المواساة والعون، في مشهد يجسد أصالة المجتمع المادبي وترابطه.
وبين الشوابكة، أن المكان في مادبا كان شريكا في صناعة هذه القيم، فالسوق القديم لم يكن مكانا للتجارة فقط، بل ملتقى للوجوه والحكايات، وكانت المصافحة تسبق البيع وفناجين القهوة تفتح أبواب الحديث، وعلى نواصي الحارات ولدت صداقات امتدت لعقود، وتحولت الساحات وعتبات البيوت إلى ذاكرة جماعية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية.
ويوثق كتاب "ذاك المكان... مادبا نقوش على جدرانها وجباه ناسها" للكاتب الشوابكة للأمكنة والذاكرة الاجتماعية، إضافة إلى تقديمه نصوصا مكانية عبر إذاعة بلدية مادبا بعنوان "مادبا تاريخ وحضارة"، حيث سعى من خلالها إلى توثيق تفاصيل المدينة وإبراز علاقتها بالإنسان الذي صنع حكايتها وحفظ ملامحها عبر الزمن.
وأكد الشوابكة أن مادبا ستبقى مدينة لا تحفظها الحجارة وحدها، بل تحفظها أرواح أهلها ودفء علاقاتهم، فالعادات والتقاليد التي نشأت في أزقتها وساحاتها وأسواقها تمثل إرثا إنسانيا ثمينا، وإن الحفاظ على هذه الذاكرة الاجتماعية هو حفاظ على هوية المدينة وروحها، لأن المكان يبقى خالدا حين يحمل حكايات الناس الذين عاشوا فيه وتركوا بصمتهم في تفاصيله
















