الدكتوراه إخلاص ابو شرخ تكتب في الأسبوع العالمي للرضاعه الطبيعيه

في الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية تتجدد الدعوة إلى النظر في حليب الأم باعتباره أعظم هبة تقدمها الأم لطفلها، فهو ليس مجرد غذاء بل منظومة متكاملة من المناعة والاحتضان النفسي والاقتصاد الأسري والاستدامة المجتمعية.
إن الرضاعة الطبيعية تمنح الطفل عناصر النمو الأساسية وتحصنه ضد الأمراض المعدية، وتمنح الأم بدورها حماية من بعض الأمراض المزمنة وتساعدها على استعادة توازنها الجسدي والهرموني بعد الولادة. وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية وحروب ونزاعات، تصبح الرضاعة الطبيعية خياراً استراتيجياً يضمن استمرار تغذية الأطفال حتى في أشد الظروف قسوة، فهي لا تحتاج إلى سلاسل إمداد ولا إلى تكاليف مالية تثقل كاهل الأسر، بل هي مورد طبيعي متجدد يرسخ مفهوم الاستدامة.
وهذا يطلب من المستشفيات اليوم ان تتحمل مسؤولية كبرى في تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية منذ اللحظة الأولى، عبر سياسات تعنى بالرضاعة الطبيعية المطلقة منذ اللحظة الاولى والمساكنة للطفل بجانب أمه مباشرة بعد الولادة، مما يعزز الترابط النفسي ويحفز إفراز الحليب ويمنح الطفل شعوراً بالأمان. فان دعم ونجاح الرضاعة الحصرية في الأشهر الأولى، توصي به منظمة الصحة العالمية واليونيسف. حيث إن تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية لا يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى البعد الصحي والنفسي والاقتصادي والأسري و البعد البيئي حيث يقلل من استخدام العبوات البلاستيكية والتلوث الناتج عن التصنيع والنقل. وفي المجتمعات التي تعاني من الحروب والنزوح، يصبح حليب الأم خط الدفاع الأول ضد سوء التغذية ، إذ يضمن للطفل غذاءً آمناً ونظيفاً في بيئة قد تفتقر إلى المياه الصالحة أو الرعاية الصحية الكافية.
إن الرضاعة الطبيعية تعزز قيم الإنسانية والرحمة. لذلك فإن الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية ليس مجرد مناسبة للتذكير بالفوائد الطبية، بل هو دعوة لإعادة الاعتبار إلى دور الأم المرضعة باعتبارها شريكة في بناء الاستدامة الصحية والأسرية والاقتصادية والبيئية، ومن هنا نقول لكل صناع قرار اهمية تبني سياسات داعمة تجعل من الرضاعة الطبيعية حقاً مضموناً لكل طفل وأم، مهما كانت الظروف المحيطة بهم ومن خلال دعم المساكنة.
ففي تلك اللحظة الأولى التي يلتقي فيها جسد الأم بجسد طفلها، يتشكل مشهد إنساني بالغ العمق، ويستقر الطفل في حضن أمه كزهرة وجدت تربتها الآمنة. إن التلامس الجسدي منذ اللحظة الاولى ليس مجرد فعل عابر، بل هو لغة صامتة تنسج خيوط الحرير للأمان والثقة، وتعلن بداية رحلة من الحب والاستدامة عبر نهر الحياة وتتشبع روحه بالطمأنينة، بينما تستعيد الأم توازنها الجسدي والهرموني وتجد في هذا العناق المبكر معنى الأمومة الحقيقي.وأما في المساكنة قصيدة حب تُكتب بلا كلمات، حيث تصبح المساكنة والرضاعة المبكرة جسراً من نور يربط بين قلبين، ويمنح المجتمع كله درساً في الرحمة والإنسانية. فان فلسفة الرضاعة الطبيعية: غذاء، مناعة، حنان، واستدامة، لتبقى شاهداً على أن أول البقاء يبدأ من حضن الأم.
#بقلم الدكتورة اخلاص ابو شرخ
















