نموذج الاردن في استضافة اللاجئين.. دروس في التنمية والاعتماد على الذات

قدم الاردن خلال العقود الاخيرة تجربة انسانية فريدة في ادارة ملف اللجوء، حيث انتقلت المملكة من مرحلة الاستجابة الطارئة الى نهج استراتيجي يدمج اللاجئين في منظومات الصحة والتعليم والخدمات العامة. واكدت ممثلة مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين ماريا ستافروبولو ان المملكة جسدت قيما دولية رفيعة في حماية الكرامة الانسانية، مما جعل تجربتها مرجعا عالميا يحتذى به في التعامل مع الازمات الانسانية المستدامة.
واضافت ستافروبولو خلال جلسة نظمها المنتدى الاقتصادي الاردني ان هذا التوجه يعكس رؤية قيادية تهدف الى تمكين اللاجئين بدلا من الاعتماد الكلي على المساعدات، مشددة على ان الدور الاردني يكتسب زخما خاصا في ظل تراجع الالتزام الدولي تجاه قضايا اللجوء. وبينت ان اعداد اللاجئين المسجلين شهدت انخفاضا ملحوظا، حيث غادر نحو 210 الاف لاجئ سوري المملكة عائدين الى بلادهم منذ نهاية العام الماضي، مما يفتح افاقا جديدة لادارة ملف العودة بشكل منظم.
واوضحت ان عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية تراجع من 640 الفا قبل عامين الى نحو 393 الفا حاليا، مع وجود تقديرات تشير الى ان اجمالي السوريين في الاردن يتجاوز المليون نسمة. واشارت الى ان هذا التحول يتطلب تنسيقا دقيقا لتجنب اي اضطرابات اقتصادية، مؤكدة في الوقت ذاته ان سوريا لا تزال تواجه تحديات امنية واقتصادية تتطلب حذرا في ادارة ملف العودة الطوعية.
التكامل الاقتصادي وتمكين اللاجئين
واكدت ستافروبولو ان الميثاق الاردني ومؤتمر لندن شكلا علامات فارقة في تحويل مسار التعامل مع اللجوء من الاعتماد على المعونات الى تعزيز التنمية. واشارت الى ان ادماج اللاجئين في الخدمات العامة منذ وقت مبكر جنب المملكة تكاليف انشاء انظمة موازية مكلفة، وهو ما ساعد في استخلاص دروس قيمة للمجتمع الدولي حول كيفية ربط الحماية بالتنمية المستدامة.
وبينت ان سوق العمل الاردني فتح ابوابه للاجئين في قطاعات حيوية كالصناعة والزراعة والخدمات، مما ساهم في سد فجوات مهنية ملحة. واكدت ان دراسات البنك الدولي اظهرت ان تمكين اللاجئين من العمل وفر على المجتمع الدولي مئات الملايين من الدولارات سنويا، حيث يسهم اللاجئون العاملون في تحريك الدورة الاقتصادية المحلية عبر استهلاك السلع ودفع الضرائب والايجارات.
واضافت ان التحدي الابرز الذي يواجه هذه التجربة هو تراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الانسانية والانمائية. وشددت على ضرورة عدم اختزال اثر اللاجئين في الضغط على البنية التحتية فقط، بل يجب مراعاة مساهمتهم الانتاجية التي عززت قطاعات مثل الانشاءات والزراعة، مما يجعلهم جزءا فاعلا في الدورة الاقتصادية الوطنية.
مسؤولية المجتمع الدولي وشراكة المستقبل
واكد المنتدى الاقتصادي الاردني ان الاعباء التي تحملتها المملكة لسنوات طويلة لا ينبغي ان تظل ملقاة على عاتقها منفردا. وشدد نائب رئيس المنتدى مازن الحمود على ان تجربة عام 2016 كانت نموذجا ناجحا في ربط تصاريح العمل بتسهيلات تجارية دولية، مما ادى الى زيادة عدد المصانع المشاركة في هذه الترتيبات وتوفير فرص عمل حقيقية تخفف من وطأة المساعدات.
وبين الحمود ان الاردن نجح في تحويل اللاجئ من متلق للمساعدة الى عنصر منتج، مما يعيد ضخ الاموال في الاقتصاد الوطني ويخفف الضغط عن الموازنة. واوضحت لين ملكاوي مديرة مؤسسة واصل ان الملف يتجاوز البعد الانساني ليصل الى عمق التخطيط الاقتصادي والخدماتي، مؤكدة ان اكثر من 80% من اللاجئين يقيمون في المدن وليس في المخيمات، مما يفرض تحديات يومية تستوجب دعما دوليا مستداما.
واكدت ختاما ان الشراكة الدولية يجب ان تتطور لتكون اكثر عدالة، بما يدعم قدرة الاردن على مواصلة دوره الانساني الرائد مع الاستمرار في تهيئة الظروف المناسبة لعودة امنة وطوعية للاجئين، معتبرة ان الاستقرار في الاردن هو ركيزة اساسية لاستقرار المنطقة باكملها.
















