+
أأ
-

المواطن الأردني... حين يصبح الوصول إلى المسؤول مقابلته كالحلم

{title}
بلكي الإخباري

 

هناء غانم 

في الأردن، المواطن لا يريد المستحيل.

لا يريد أن يفتح له باباً خاصاً، ولا أن يتجاوز القانون، ولا أن يحصل على امتياز لا يستحقه. كل ما يريده أحياناً هو أن يجد طريقاً واضحاً يصل من خلاله صوته إلى المسؤول الذي يستطيع أن يسمعه، ويفهم مشكلته، ويقول له: “احكِ لي، ماذا تحتاج؟”

هذه الجملة البسيطة قد تعني الكثير لمواطن يحمل سنوات من التعب، أو صاحب قضية لم يجد لها حلاً، أو أبٍ يبحث عن فرصة لابنه، أو أمٍ تريد أن تشرح معاناة أسرتها، أو موظفٍ يشعر أن مظلمته لم تصل إلى المكان الصحيح.

المشكلة ليست دائماً في غياب المسؤول، بل في المسافة الكبيرة التي تفصل المواطن عنه.

فالمواطن العادي قد يجد نفسه أمام سلسلة طويلة من المكاتب والأبواب والمواعيد والمراسلات. وكلما حاول الوصول إلى مسؤول أعلى، قيل له: اذهب إلى الجهة المختصة، أو قدّم طلباً، أو اترك معاملتك، أو انتظر الرد.

وهكذا تتحول رحلة المواطن من البحث عن حل إلى رحلة بحث عن الشخص الذي يستطيع أن يسمعه.

والأردني بطبيعته لا يحب أن يطلب الواسطة. هو يريد أن يشعر أن حقه يصل إليه بالقانون، وأن صوته مسموع لأنه مواطن، وليس لأنه يعرف فلاناً أو يملك رقم هاتف مسؤول.

وهنا تكمن القضية الأعمق.

هل يجب على المواطن أن يعرف شخصاً مهماً حتى يستطيع الوصول إلى شخص مهم؟

أم أن الدولة الحديثة يجب أن تجعل أبوابها مفتوحة أمام الجميع، بحيث يكون الوصول إلى المسؤول حقاً منظماً ومتاحاً، وليس امتيازاً يحصل عليه البعض دون غيرهم؟

الأردن لديه بالفعل قنوات رسمية للشكاوى والاقتراحات وطلب المعلومات، وتوجد جهات حكومية تتيح للمواطن تقديم شكواه ومتابعتها، كما أن رئاسة الوزراء توفر خدمة رسمية لطلبات الحصول على المعلومات، ويُسمح بتقديم الشكوى عند رفض الطلب أو عدم الرد ضمن المدة القانونية.

لكن المواطن لا يبحث دائماً عن نموذج إلكتروني أو رقم شكوى.

أحياناً يريد وجهاً إنسانياً.

يريد أن يجلس أمام مسؤول، يحكي قصته كاملة، ويشعر أن هناك من يسمعه فعلاً.

وهذه ليست دعوة إلى تجاوز المؤسسات أو القوانين، بل هي دعوة إلى تقوية الجسر بين المواطن والمسؤول.

فالمسؤول في النهاية موظف عام، والمواطن هو صاحب المصلحة الأولى في الدولة. وكلما اقترب المسؤول من الناس، ازدادت الثقة. وكلما شعر المواطن أن أبواب المسؤولين مغلقة، زادت المسافة النفسية بينه وبين مؤسسات الدولة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث في الإدارة الأردنية هو أن يصبح الوصول إلى المسؤول أمراً طبيعياً ومنظماً، لا بطولة شخصية ولا واسطة ولا حكاية يتداولها الناس.

نريد أبواباً مفتوحة، ومواعيد واضحة، وقنوات فعّالة، وردوداً حقيقية.

نريد أن يشعر المواطن من إربد والرمثا والمفرق والسلط والكرك والعقبة، ومن كل قرية ومدينة ومخيم وبادية، أن المسؤول ليس بعيداً عنه، وأن صوته لا يحتاج إلى "واسطة" كي يصل.

فالدولة القوية ليست الدولة التي يخاف المواطن من الوصول إلى مسؤوليها، وإنما الدولة التي يثق المواطن بأنه يستطيع الوصول إلى المسؤول عندما تكون لديه قضية حقيقية.

ولأن الأردن وطنٌ الجميع  بُني على علاقة متينة بين القيادة والشعب، فإن المحافظة على هذه العلاقة تحتاج دائماً إلى أن تبقى الأبواب مفتوحة، وأن تبقى المسافة قصيرة بين المواطن وصاحب القرار.

واخيرا المواطن الأردني لا يريد أن يصافح المسؤول لمجرد المصافحة.

هو يريد أن يصل إليه حين يحتاجه.

يريد أن يقول له قصته.

يريد أن يسمع منه جواباً.

ويريد أن يشعر بأن المواطن العادي، الذي لا يملك منصباً ولا نفوذاً ولا واسطة، له مكانه وصوته وكرامته في هذا الوطن.

وهذا، قبل أن يكون مطلباً إدارياً، هو معنى عميق من معاني العدالة والثقة والانتماء.