+
أأ
-

آ. د. مصطفى محمد عيروط : كيف تنجح قرارات التعليم عالمياً؟

{title}
بلكي الإخباري

 

القرار الذي يغيّر مستقبل الأجيال لا يُصنع خلف الأبواب المغلقة التعليم ليس قراراً إدارياً عابراً، وليس ملفاً يمكن التعامل معه بمنطق التجربة السريعة أو الاجتهاد الشخصي؛ فقرار التعليم يمس كل بيت، ويحدد مستقبل ملايين الطلبة، ويؤثر في الاقتصاد وسوق العمل والمجتمع لعشرات السنين.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح في كل دولة قبل إصدار أي قرار تعليمي كبير هو:

هل اتخذنا القرار لأننا نعتقد أنه صحيح، أم لأن الدراسات والأدلة والتجارب الدولية أثبتت أنه صحيح وقابل للتطبيق؟

وهنا تظهر قاعدة عالمية مهمة:

لا يوجد قرار تعليمي ناجح لمجرد أن جهة رسمية أصدرته؛ القرار ينجح عندما ينجح الطالب والمعلم والأسرة والمدرسة والجامعة وسوق العمل والمجتمع معه

.

التعليم في الدول المتقدمة... صناعة قرار لا صناعة قرار مفاجئ

قرأت عندما تتخذ الدول المتقدمة قراراً يتعلق بالمناهج أو الامتحانات أو المسارات أو القبول الجامعي، فإن المسألة لا تنتهي بقرار من الوزارة.

هناك دراسات، وتجارب، واستشارات، ومشاركة للمعلمين والطلبة وأولياء الأمور والجامعات وأصحاب العمل، ثم تأتي مرحلة التطبيق والتقييم والمراجعة.

 

والأهم أن الدولة الناجحة لا تعتبر التراجع عن قرار ثبت عدم نجاحه هزيمة، بل تعتبر تصحيح المسار جزءاً من الإدارة الرشيدة.

 

فنلندا... الإصلاح يبدأ بالحوار

من التجارب اللافتة تجربة فنلندا في إصلاح المناهج الوطنية.

 

فعند تطوير المنهج الوطني الأساسي، قادت الهيئة الوطنية للتعليم عملية مفتوحة شارك فيها أصحاب المصلحة المعنيون، كما دُعي الجمهور إلى إبداء ملاحظاته على مسودات المنهج. ثم جرى تطبيق المنهج الجديد تدريجياً، بدءاً من عام 2016 في الصفوف 1–6، وصولاً إلى الصف التاسع عام 2019.

والفكرة هنا ليست أن فنلندا تملك "الوصفة السحرية"، وإنما أن الإصلاح التعليمي الكبير يحتاج إلى مشاركة وخبرة وتدرج.

 

والمنهج الفنلندي نفسه يجمع بين إطار وطني موحد وبين قدرة البلديات والمدارس على تكييف المناهج مع الاحتياجات والظروف المحلية.

وهذا درس مهم:

التوحيد لا يعني إلغاء المرونة، والإصلاح لا يعني إلغاء صوت الميدان.

 

سنغافورة... الإصلاح بالتدرج وليس بالصدمة

 

سنغافورة تقدم مثالاً آخر على أهمية التطوير المستمر.

ففي موضوع تصنيف الطلبة في المرحلة الثانوية، انتقلت الدولة تدريجياً إلى Full Subject-Based Banding، الذي أُلغي معه نظام المسارات التقليدي القائم على تصنيف الطالب في مسار واحد، وأصبح بإمكان الطالب دراسة مواد بمستويات مختلفة وفق قدراته واهتماماته واحتياجاته. واكتمل تطبيق النظام في المدارس الثانوية عام 2024.

 

كما شهد النظام السنغافوري تعديلات في الامتحانات، وتقليلاً لأعباء التقييم، وتغييرات في معايير القبول، ضمن توجه أوسع نحو إعطاء الطلبة مسارات أكثر مرونة.

 

واللافت أن وزارة التعليم السنغافورية تعرض هذه الإصلاحات ضمن حوار مجتمعي أوسع، وتشير إلى أن المواطنين دعوا إلى نظام أكثر مرونة وأقل تكريساً للتفاوت الاجتماعي.

 

وهنا درس آخر:

القرار التعليمي الناجح لا يعني أن النظام لا يتغير؛ بل يعني أن النظام يمتلك القدرة على تغيير نفسه عندما تتغير حاجات المجتمع.

 

نيوزيلندا... مثال على أن القرار التعليمي يمكن مراجعته

ومن أكثر الأمثلة وضوحاً في فما يحدث في نيوزيلندا بشأن NCEA، وهو نظام الشهادة الوطنية للتحصيل التعليمي.

بعد سنوات من التطبيق، خلصت الحكومة النيوزيلندية إلى أن النظام بصورته الحالية لا يعمل بالكفاءة المطلوبة، وأن المرونة الكبيرة أدت إلى تفاوت في ما يتعلمه الطلبة وكيفية تقييمهم، وأن أصحاب العمل والجامعات لا يحصلون دائماً على صورة واضحة عن مستوى معرفة الطالب ومهاراته.

 

لكن ماذا فعلت الحكومة؟

لم تقل: “لقد صدر القرار وانتهى الأمر.”

بل طرحت استبدال النظام، وفتحت باب المشاورات أمام الأسر والطلبة والمعلمين وأصحاب العمل والقطاع الصناعي.

 

والأهم أن أكثر من 10 آلاف شخص شاركوا في عملية التشاور حول المقترح، قبل اتخاذ خطوات جديدة في تصميم النظام.

وهذا مثال بالغ الأهمية:

 

الدولة القوية ليست التي لا تعترف بأن قراراً يحتاج إلى مراجعة؛ الدولة القوية هي التي تمتلك الشجاعة العلمية والإدارية لمراجعة القرار عندما تظهر الأدلة.

 

وماذا عن القرارات التي تفشل؟

 

هناك برامج تعليمية كثيرة في العالم بدأت بنوايا جيدة، لكنها لم تحقق النتائج المتوقعة عندما خضعت للتقييم العلمي.

فعلى سبيل المثال، قامت مؤسسة Education Endowment Foundation في بريطانيا بتقييم برنامج "Achievement for All" في تجربة شملت 134 مدرسة ابتدائية، وأظهرت النتائج أثراً سلبياً على التحصيل الأكاديمي مقارنة بالمدارس التي استمرت في ممارساتها المعتادة؛ إذ حقق الطلبة تقدماً أقل بنحو شهرين في القراءة والرياضيات.

 

ما أهمية هذا المثال؟

 

أن النوايا الحسنة لا تكفي في التعليم.

قد يكون البرنامج جميلاً في فكرته، وقد يحصل على دعم إداري ومجتمعي، لكن السؤال العلمي في النهاية هو:

 

ماذا حدث للطالب؟

هل تحسن التحصيل؟

هل انخفض التسرب؟

هل ارتفعت جودة التعليم؟

هل تحسنت فرص الخريجين؟

إذا كانت الإجابة لا، فيجب تعديل القرار أو إيقافه.

 

من الامتحان إلى الجامعة... القرار يحتاج إلى أهل الخبرة

وهنا نصل إلى قضية شديدة الأهمية في عالم التعليم:

ليس كل إداري قادراً على إدارة مؤسسة تعليمية، وليس كل أكاديمي قادراً بالضرورة على إدارة جامعة، وليس كل صاحب منصب قادراً على قيادة إصلاح تعليمي.

إدارة مدرسة أو جامعة أو مؤسسة تعليمية كبرى تحتاج إلى مجموعة من القدرات:

 

معرفة عميقة بالتعليم وسياساته.

خبرة في الإدارة والقيادة.

القدرة على قراءة البيانات والدراسات.

فهم سوق العمل.

القدرة على التعامل مع المعلمين وأعضاء هيئة التدريس والطلبة.

القدرة على الحوار مع المجتمع.

معرفة مالية وإدارية.

 

رؤية للمستقبل.

والأهم: القدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.

 

ولهذا فإن اختيار رئيس جامعة أو عضو مجلس أمناء أو قيادي تربوي يجب ألا يكون مجرد تعيين إداري؛ بل ينبغي أن يكون اختياراً قائماً على الكفاءة والخبرة والقدرة على قيادة المؤسسة والتفاعل مع المجتمع.

فالجامعة اليوم ليست مباني وقاعات ومحاضرات فقط.

إنها مؤسسة علمية واقتصادية واجتماعية، وتتعامل مع آلاف الطلبة ومئات أعضاء هيئة التدريس ومئات البرامج الأكاديمية، وتتحمل مسؤولية إعداد الإنسان لسوق العمل والمجتمع.

 

ماذا يعني هذا ؟

 

عندما يتم قرار بتغيير امتحان الثانوية العامة، أو إدخال مسارات جديدة، أو تغيير المناهج، أو تحديد نسب للقبول في مسار معين، أو إنشاء جامعة جديدة، أو استحداث تخصصات، أو إلغاء تخصصات، فإن السؤال يجب ألا يكون:

 

من صاحب القرار؟

بل:

ما الدراسة التي بُني عليها القرار؟

ثم:

من شارك في إعدادها؟

ثم:

هل جرى الاستماع إلى المعلمين والطلبة وأولياء الأمور والجامعات وأصحاب العمل؟

ثم:

هل جرى اختبار القرار قبل تعميمه؟

ثم:

كيف سنقيس نتائجه بعد سنة وثلاث سنوات وخمس سنوات؟

 

الرأي العام ليس خصماً للقرار

وهنا أرى أن من الأخطاء اعتبار مطالبة المجتمع بمعرفة أسباب القرارات التعليمية نوعاً من الاعتراض أو التشكيك.

العكس هو الصحيح.

كلما كان القرار أكثر ارتباطاً بحياة الناس، كان من حق الناس أن يعرفوا كيف ولماذا اتُخذ.

 

الرأي العام ليس بديلاً عن الخبراء، والخبراء ليسوا بديلاً عن المجتمع.

الخبراء يقدمون العلم، والميدان يقدم الخبرة، والمجتمع يقدم احتياجاته، والوزارة تصنع السياسة، ثم تأتي المؤسسات الرقابية والتقييمية لتقيس النتائج.

 

وهكذا يصنع القرار الرشيد.

القرار التعليمي يحتاج إلى “اختبار قبل التطبيق”

 

من المفيد أن تصبح ثقافة جديدة في التعليم:

 

لا يطبق الإصلاح الكبير على ملايين الطلبة أولاً ثم تكتشف النتائج لاحقاً.

بل تبدأ بدراسة علمية، ثم تجارب محدودة أو مرحلية حيثما كان ذلك مناسباً، ثم تقييم مستقل، ثم تعديل، ثم التوسع.

 

فإذا نجحت التجربة توسعت الدولة فيها.

 

وإذا فشلت، عُدّل القرار قبل أن يدفع ملايين الطلبة ثمن الخطأ.

 

التعليم لا يحتمل القرارات الفردية

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في التعليم أن يتحول القرار إلى رأي شخص واحد، مهما كان موقعه.

فالوزير يتغير، والحكومة تتغير، والمسؤول يتغير، لكن الطالب يبقى هو من يدفع ثمن القرار أو يجني ثماره.

 

ولهذا فإن السياسة التعليمية الناجحة يجب أن تكون أكبر من الأشخاص، وأطول من عمر الحكومات، ومبنية على مؤسسات ودراسات وبيانات وتقييم مستمر.

 

فهل تنجح قرارات التعليم عالمياً؟

نعم، ولكن ليس كل قرار ينجح، وليس كل إصلاح ينجح من المرة الأولى.

النجاح يرتبط بوجود منظومة متكاملة:

دراسة علمية → حوار مجتمعي → خبرات متخصصة → تجربة وتدرج → تطبيق → قياس النتائج → مراجعة وتصحيح.

وهذا هو الفارق بين قرار يريد أن يثبت أن صاحبه على حق، وقرار يريد أن يثبت أن مصلحة الطالب والمجتمع هي الحق.

 

فقرار التعليم عالميا ليس قرار وزارة فقط، وليس قرار حكومة فقط، وليس قرار مسؤول فقط؛ إنه قرار يتعلق بمستقبل وطن كامل.

 

لذلك، فإن أي قرار في الامتحانات أو المناهج أو المسارات أو القبول الجامعي أو إنشاء الجامعات أو استحداث التخصصات يجب أن يسبقه سؤال واضح:

 

أين الدراسة وتعلن للجميع ؟ وما نتائجها؟ ومن استُشير؟ وما البدائل التي دُرست؟ وكيف سنعرف بعد التطبيق أننا نجحنا؟

 

فإذا امتلكت إجابات علمية واضحة عن هذه الأسئلة، نكون أمام قرار تعليمي مؤسسي رشيد.

أما إذا غابت الدراسات، وغاب الحوار، وغابت الخبرة، وغاب تقييم النتائج، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الطلبة إلى حقل تجارب، ومستقبل الأجيال إلى مساحة للاجتهاد.

 

التعليم عالميا يحتاج إلى شجاعة القرار، ولكن أكثر من ذلك يحتاج إلى شجاعة مراجعة القرار عندما تثبت الأدلة أن الطريق يحتاج إلى تصحيح.

للحديث بقيه

مصطفى محمد عيروط