المهندس محمد المعايطة يكتب : سردية «إيما بوزا» قيمق… بوظة… وسردية أصحاب السردية

على طريقة أصحاب السردية، نقف اليوم أمام سردية «إيما بوظة»؛ لأن فهم تجّار السردية أن السردية حكاية تاريخية من الماضي.
قيمق كلمة تركية تعني القشطة، أي الطبقة الدسمة التي تتشكل على وجه الحليب عند غليه، وفي العراق يُقال لها قيمر. أما البوظة، ففي التركية تعني المثلجات بشكل عام، ومنها دندرمة، التي نلفظها في العامية «درادا». وربما أخذت التركية كلمة «بوز» من العربية.
في لغتنا العربية الكثير من اللهجات؛ ففي السريانية تُقلب القاف همزة، والثاء تاءً. وفي لهجتنا الاردنية ، نستعمل الكأكأة في اللغة، فنلفظ (تش) بدل الكاف في بعض الكلمات، وهي ليست دلالة للتخلف ، وفي بعض الأحيان نستبدل النون باللام، كما في «أسماعين»، وأحيانًا نستبدل الميم باللام، كما في «امبارح».
ومن هنا، كنا نسمع الباعة وهم ينادون:
«إيما بوظة… إيما!»
أما أصحاب السردية، فانطلقوا علينا من كل زاوية، يستدعون حكايات لها أصل، وأخرى بلا أصل، ولم نسمع منهم شيئاً يهم حاضر الوطن ومستقبله، وحاضر الأجيال ومستقبلها، وهموم الناس وطموحاتهم.
فالسردية هي صناعة معنى من التاريخ لبناء الحاضر واستشراف المستقبل.
ولأن اللهجة جزء من حاضر الوطن ومستقبله، يعتقد كثيرون أن التكلّف والتصنّع في اللغة، وبخاصة ما نشاهده في إعلامنا الرسمي في كثير من البرامج، من استبدال القاف بالهمزة، والثاء بالتاء، والذال بالزاي، هو نوع من التمدّن والتحضّر. وهذا فهم خاطئ؛ لأن استبدال هذه الحروف، بهذه الطريقة، خارج سياق لهجتنا المحلية القريبة من المؤابية وتذهب بنا إلى اللهجة السريانية.
لكن علينا أن نفهم ونقدّر أن كثيرًا من الأردنيين أصولهم من مناطق يكون فيها قلب هذه الحروف أمراً أصيلاً في لهجاتهم، ولا علاقة له بالتمدّن أو التحضّر.
وجود التمايز والفروقات مهم في اللهجات ، لمعرفة أصول الكلمات وكيف يتطور استعمالها. فعلى سبيل المثال، كلمة «منيح» في اللهجة السريانية تعني الراحة، وتُستخدم كثيرًا في سوريا ولبنان، وفي العربية الفصحى «الموت هو الراحة الأبدية»، وفي لهجتنا نقول «مناحة، النوح» للسيدات اللواتي يبكين الميت .
وهنا يأتي دور الإعلام الرسمي.
ليس المطلوب منه أن يفرض لهجة على الناس، ولا أن يمنع التنوع اللغوي، وإنما أن يحترم الهوية اللغوية الأردنية، وأن يعرف أن اللهجة جزء من الذاكرة الوطنية، تماماً كما المكان والأغنية والعادات والحكايات جزء منها.
فالسردية الوطنية ليست مجرد استدعاء لحكايات الماضي، وإنما هي القدرة على تحويل التاريخ إلى معنى، والمعنى إلى مشروع للحاضر والمستقبل .



















