+
أأ
-

د. محمد حبيب السمكري : نظام الحقول في الثانوية العامة: هل غيّرنا مستقبل الطالب قبل أن نُهيّئ الجامعة وسوق العمل؟

{title}
بلكي الإخباري

ليس السؤال اليوم ما إذا كان نظام الثانوية العامة الأردنية بحاجة إلى التغيير؛ فهذا أمر لم يعد موضع جدل كبير. السؤال الأكثر أهمية هو: هل يكفي أن نغيّر الثانوية العامة، بينما نجاح هذا التغيير يتوقف على منظومة كاملة تبدأ من المدرسة، وتمر بالجامعة، وتنتهي بسوق العمل؟

مع تطبيق نظام الحقول الأكاديمية، يدخل التعليم الأردني واحدة من أهم عمليات إعادة تشكيل الثانوية العامة منذ سنوات. والفكرة في جوهرها تبدو منطقية: بدل أن يبقى الطالب داخل فرع واسع، ينتقل تدريجيًا إلى حقل أكثر ارتباطًا بميوله وقدراته وتخصصه الجامعي المستقبلي. وقد انتهت التعديلات الأخيرة إلى أربعة حقول رئيسة: الصحي، والعلوم والتكنولوجيا والهندسة، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والأعمال.

لكن أهمية القرار وحجم تأثيره في مستقبل عشرات الآلاف من الطلبة يفرضان علينا الانتقال من سؤال: كيف سيطبق نظام الحقول؟ إلى سؤال أكبر:

هل أصبحت الدولة، وليس وزارة التربية والتعليم وحدها، جاهزة لنظام الحقول؟

الفكرة صحيحة... ولكن النجاح لا تصنعه الفكرة وحدها

تربويًا، يصعب الاعتراض على مبدأ التخصص التدريجي. فطالب يريد دراسة الطب ليس بالضرورة بحاجة إلى الإعداد نفسه الذي يحتاج إليه طالب يتجه إلى الهندسة أو الذكاء الاصطناعي أو الاقتصاد أو العلوم الإنسانية.

كما أن نظام الحقول يستطيع، إذا أُحسن تصميمه، أن يقلل التشتت، ويعمق المعرفة، ويربط التعليم المدرسي بالتعليم الجامعي، ويمنح الطالب فرصة أكبر لبناء مسار يتناسب مع قدراته واهتماماته. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين نظام يصنف الطلبة ونظام يبني مساراتهم المستقبلية.

الأول سهل نسبيًا: نضع حقولًا، ونحدد مواد، ونصدر تعليمات، ثم نوزع الطلبة.

أما الثاني فأصعب بكثير؛ لأنه يتطلب منظومة متكاملة للإرشاد والتقييم والقبول الجامعي والتدريب والتشغيل، إضافة إلى إمكانية انتقال الطالب بين المسارات عندما تتغير ميوله أو تتضح قدراته.

وهنا تحديدًا سيكون الاختبار الحقيقي للتجربة الأردنية.

هل يختار الطالب الحقل... أم يختار الحقل مستقبل الطالب؟

أخطر ما في أي نظام للتخصص المبكر أن يتحول قرار يتخذه طالب في السادسة عشرة أو السابعة عشرة إلى قرار يرسم جزءًا كبيرًا من مستقبله الأكاديمي. فالطالب في هذه المرحلة لم يكتشف بالضرورة قدراته وميوله بصورة نهائية.

قد يريد الطب لأنه حصل على علامات مرتفعة، أو لأن أسرته تريد ذلك، ثم يكتشف بعد عامين أن قدراته الحقيقية في البرمجة أو الهندسة أو الاقتصاد. لذلك فإن السؤال ليس فقط: هل يستطيع الطالب اختيار الحقل؟

بل: هل يستطيع تغيير اختياره دون أن يدفع ثمنًا أكاديميًا كبيرًا؟

وهنا يمكن الاستفادة من التجارب الدولية؛ فالاتجاه الحديث في كثير من الأنظمة التعليمية لا يقوم على وضع الطالب داخل مسار مغلق، وإنما على الجمع بين قاعدة تعليمية مشتركة، وتخصص تدريجي، ومواد اختيارية، ونفاذية تسمح بالانتقال بين المسارات. وبالتالي فإن أفضل تطوير مستقبلي للنموذج الأردني قد لا يكون زيادة الحقول أو تقليلها، وإنما جعلها حقولًا مرنة.

التنسيق مع التعليم العالي... خطوة مهمة ولكنها ليست نهاية المهمة

من الإنصاف القول إن وزارة التربية والتعليم لم تعمل بمعزل كامل عن منظومة التعليم العالي. فقد جرى تحديد التخصصات والكليات الجامعية المرتبطة بالمسارات والحقول الجديدة، كما تكيفت سياسات القبول ومنظومة القبول الموحد مع النظام المستحدث.

وهذا إنجاز تنظيمي مهم؛ لأن أخطر ما كان يمكن أن يحدث هو أن يدرس الطالب وفق نظام جديد في المدرسة، ثم يصل إلى الجامعة ليجد منظومة قبول لا تعترف بمنطق هذا النظام. لكن الاعتراف بالحقول في تعليمات القبول يمثل الحد الأدنى من التنسيق، وليس غايته. فالجامعة يجب ألا تستقبل طالب الحقول الجديدة بالطريقة نفسها التي كانت تستقبل بها خريج النظام السابق دون مراجعة.

ينبغي أن نعرف: هل ستراجع الجامعات متطلبات السنة الأولى؟ وهل ستدرس الفجوات أو التكرار بين مقررات الحقول والمقررات الجامعية؟ وهل ستوفر مسارات انتقال مرنة بين البرامج؟ وهل ستعيد بعض الجامعات تصميم متطلبات القبول الخاصة بالتخصصات في ضوء الكفايات الفعلية المطلوبة وليس اسم الحقل فقط؟

إذا لم يحدث ذلك، نكون قد غيرنا بوابة الدخول إلى الجامعة أكثر مما غيرنا العلاقة بين المدرسة والجامعة.

وماذا عن وزارة العمل وسوق العمل؟

هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا. لأن الطالب لا يدرس من أجل الوصول إلى الجامعة فقط، والجامعة بدورها ليست نهاية رحلة التعليم. الهدف النهائي هو بناء رأس مال بشري قادر على الإنتاج والعمل والابتكار والمنافسة. ومن هنا كان ينبغي أن يكون سوق العمل حاضرًا منذ اللحظة الأولى في تصميم منظومة الحقول.

وهناك بالفعل توجهات حكومية تتعلق بربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، والإطار الوطني للمؤهلات، وتطوير التعليم والتدريب المهني والتقني، إضافة إلى التوسع في برامج BTEC.وهي مؤشرات إيجابية. لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح بوضوح هو:

هل بُنيت الحقول الأربعة على دراسة استشرافية للوظائف التي سيحتاج إليها الاقتصاد الأردني بعد خمس أو عشر سنوات، أم بُنيت أساسًا على تصنيف التخصصات الجامعية القائمة اليوم؟

الفرق بين الأمرين كبير. فإذا كان النظام الجديد يعيد توزيع الطلبة على التخصصات الجامعية الموجودة أصلًا، فنحن نعيد تنظيم الطريق إلى الجامعة. أما إذا كان يستند إلى توقعات الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الصحية، والطاقة والمياه، والاقتصاد الأخضر، والصناعات المتقدمة، والسياحة الحديثة وريادة الأعمال، فنحن أمام مشروع لإعداد جيل لمستقبل مختلف. وهذا هو المستوى الذي يجب أن نطمح إليه.

لا يكفي أن تتغير أنظمة القبول... يجب أن تتغير إشارات سوق العمل

من المشكلات التي تواجه التعليم في الأردن أن المجتمع يتلقى أحيانًا إشارات متناقضة. نطلب من الطالب أن يختار وفق ميوله واحتياجات سوق العمل، بينما تبقى بعض الممارسات الاجتماعية والمؤسسية مرتبطة بالشهادة والتخصص التقليدي أكثر من المهارة والكفاية.

ولهذا فإن نجاح نظام الحقول يتطلب مشاركة وزارة العمل وديوان الخدمة والإدارة العامة والقطاع الخاص والنقابات المهنية وهيئات الاعتماد والجامعات في صياغة لغة مشتركة للكفايات والمؤهلات. لا يكفي أن تقول المدرسة إن الطالب يمتلك مسارًا في العلوم والتكنولوجيا، إذا كانت الجامعة لا تبني على هذه الكفايات، ولا يكفي أن تطورها الجامعة إذا كان صاحب العمل لا يعترف بها عند التوظيف. السلسلة يجب أن تكون مترابطة:

قدرات وميول ← حقل مدرسي ← تخصص جامعي أو مهني ← كفايات ← مؤهل ← وظيفة.

وكل حلقة منفصلة تضعف الحلقات الأخرى.

العدالة بين المدارس... الاختبار الصامت للنظام

هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عن المناهج والقبول، وهي العدالة في إتاحة الحقول. ليس جميع الطلبة في الأردن يدرسون في البيئة التعليمية نفسها. فهناك اختلاف في أعداد الطلبة والمعلمين والمختبرات والإمكانات بين المدارس والمديريات والمحافظات. لذلك فإن وجود حقل معين على الورق لا يعني بالضرورة أن جميع الطلبة يمتلكون فرصة متساوية للالتحاق به.

إذا أراد طالب حقلًا معينًا ولم يحصل عليه بسبب الطاقة الاستيعابية أو نقص المعلمين أو عدم توفر الشعبة، فإن الاختيار لم يعد قائمًا على قدرات الطالب وميوله، وإنما على الرمز البريدي للمدرسة وإمكاناتها. وهذه نقطة ينبغي مراقبتها بمنتهى الجدية.

ومن المفيد أن تنشر وزارة التربية والتعليم سنويًا مؤشرات واضحة حول نسبة الطلبة الذين حصلوا على رغبتهم الأولى، وتوزيع الحقول حسب المحافظات والمديريات والجنس ونوع المدرسة، وأعداد الطلبة الذين طلبوا تغيير حقولهم وأسباب ذلك. فالإصلاح الذي لا يُقاس لا يمكن تطويره.

الثقافة المجتمعية قد تهزم أفضل نظام تعليمي

أما التحدي الأصعب، فقد لا يكون داخل الوزارة أصلًا، وإنما داخل المجتمع. فما زالت لدى شريحة من الأسر الأردنية صورة تقليدية للنجاح الأكاديمي؛ الطالب صاحب المعدل المرتفع "يجب" أن يذهب إلى الطب أو الهندسة، بينما ينظر إلى خيارات أخرى أحيانًا باعتبارها بدائل لمن لم يحصل على المعدل المطلوب.

إذا استمرت هذه الثقافة، فقد نضع نظامًا هدفه اكتشاف ميول الطالب، ثم نستخدمه اجتماعيًا لإعادة إنتاج الاختيارات القديمة نفسها تحت أسماء جديدة. ولهذا فإن الإرشاد المهني والأكاديمي يجب أن يكون أحد أعمدة نظام الحقول، لا نشاطًا هامشيًا يسبق تعبئة نموذج الاختيار.

نحتاج إلى ملف مهني للطالب يبدأ قبل الثانوية، واختبارات ميول وقدرات، ومعلومات حقيقية عن التخصصات، ومعدلات البطالة والتشبع، والمهن المستقبلية، ومتوسطات الدخل، والمسارات المهنية البديلة. والأهم أن تصل هذه المعلومات إلى الأسرة، لا الطالب وحده.

المطلوب ليس حملة إعلامية... بل عقد معلومات مع الأسرة

قبول المجتمع للنظام لا يتحقق بالإعلان عن الحقول أو نشر فيديوهات تعريفية فقط. الأسرة تريد إجابات دقيقة:

• إذا اختار ابني هذا الحقل، فما التخصصات التي تبقى مفتوحة أمامه؟

• إذا غير رأيه، ماذا يفعل؟

• ما المواد الإضافية المطلوبة للانتقال؟

• هل يستطيع دخول تخصص جديد لم يكن موجودًا عند اختياره للحقل؟

• ما المجالات الأكثر طلبًا بعد خمس سنوات؟

• وماذا يحدث إذا لم يتوفر الحقل في مدرسته؟

كل سؤال بلا إجابة واضحة يتحول إلى قلق، وكل قلق يتحول إلى مقاومة اجتماعية للنظام.

لا نحكم على النظام الآن... بل نبني نظامًا للحكم عليه

من الخطأ إعلان نجاح نظام الحقول مبكرًا، كما سيكون من الخطأ الحكم بفشله قبل أن تأخذ التجربة فرصتها. الأكثر علمية هو أن تحدد الحكومة منذ الآن مؤشرات نجاح معلنة، ثم تنشر نتائجها سنويًا. بعد ثلاث إلى خمس سنوات يجب أن نستطيع الإجابة بالأرقام عن أسئلة محددة:

هل انخفضت نسبة تغيير التخصص الجامعي؟ وهل ارتفع رضا الطلبة عن اختياراتهم؟ وهل انخفض الالتحاق بالتخصصات الراكدة والمشبعة؟ وهل تحسن الإقبال على التخصصات المطلوبة؟ وهل تقلصت الفجوة بين المحافظات في الوصول إلى الحقول؟ وهل تحسنت مواءمة الخريجين مع سوق العمل؟

هذه هي مؤشرات النجاح، وليس عدد التعليمات الصادرة أو عدد الطلبة الموزعين على كل حقل.

من «نظام الحقول» إلى «منظومة المسارات الوطنية»

ربما نحتاج مستقبلًا إلى التفكير في النظام بصورة أكبر من الثانوية العامة نفسها. فبدل أن نتحدث عن نظام حقول تابع لوزارة التربية والتعليم، يمكن بناء منظومة وطنية للمسارات التعليمية والمهنية تشترك في إدارتها التربية والتعليم العالي والعمل والجامعات وهيئات الاعتماد والتدريب والقطاع الخاص. وتبنى هذه المنظومة على بيانات سوق العمل الفعلية والتوقعات المستقبلية للاقتصاد الأردني. عندها لا يختار الطالب "حقلًا" فقط، وإنما يبدأ في بناء مسار تعليمي ومهني قابل للتطوير والتغيير.

السؤال الذي يجب أن يسبق كل قرار

نظام الحقول فرصة مهمة لتطوير الثانوية العامة، والتنسيق الذي ظهر مع التعليم العالي وسياسات القبول يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، كما أن الإصلاحات المتعلقة بالتعليم المهني والمؤهلات وسوق العمل توفر أرضية يمكن البناء عليها. لكن علينا ألا نخلط بين جاهزية التعليمات وجاهزية المنظومة.

يمكن إصدار تعليمات القبول خلال أشهر، وتعديل البرمجيات خلال أسابيع، وتغيير أسماء المسارات بقرار. أما بناء منظومة تربط المدرسة بالجامعة وسوق العمل وتغير الثقافة الاجتماعية حول التخصص والعمل، فهو مشروع يحتاج سنوات. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافق نظام الحقول خلال السنوات المقبلة ليس:

كم طالبًا دخل الحقل الصحي؟ وكم طالبًا دخل حقل العلوم والتكنولوجيا؟

بل:

هل أصبح الطالب الأردني، بعد هذا الإصلاح، أقدر على اختيار مستقبل يتوافق مع قدراته من جهة، ومع احتياجات وطنه وفرص العمل الحقيقية من جهة أخرى؟

إذا كانت الإجابة بعد سنوات نعم، يكون الأردن قد نجح في إصلاح الثانوية العامة. أما إذا تغيرت أسماء الفروع، وتغيرت تعليمات القبول، بينما بقي الطالب يختار تحت ضغط المعدل والأسرة، وبقيت الجامعات تستقبل الطلبة بالطريقة نفسها، وبقي سوق العمل بعيدًا عن تخطيط التعليم، فسنكون قد غيّرنا شكل الطريق... من دون أن نغيّر وجهته.