عزام الرواحنة.. حين تتكامل هيبة السيف مع حكمة القائد

كتب ابن البلد - في بعض الشخصيات، لا تكون الرتبة عنوانًا كافيًا، ولا تختصر المناصب سنوات العمر. هناك رجال تصنعهم التجربة قبل أن تصنعهم المواقع، وتمنحهم المسؤولية ملامح أكثر رسوخًا من أي لقب. ومن بين هذه النماذج يبرز اللواء الركن المتقاعد عزام إرشيد الرواحنة، بوصفه شخصية عسكرية تركت أثرها في مؤسسات الدولة، وظلت حاضرة في الذاكرة الوطنية بعد مغادرة الزي الرسمي.
ينتمي الرواحنة إلى محافظة مادبا، بما تختزنه من إرث اجتماعي عريق وقيم راسخة تقوم على المروءة والنجدة والوفاء. غير أن علاقته بمعنى التضحية لم تبدأ مع سنوات الخدمة، فقد نشأ في ظل قصة عائلية ثقيلة الدلالة؛ إذ كان والده شهيدًا خاض أربع حروب، قبل أن يرتقي في الجولان. ومن هذا الإرث استمد الرواحنة فهمًا مبكرًا لمعنى الواجب، فغدا الانتماء لديه ممارسة يومية لا مجرد شعار.
على امتداد مسيرته في القوات المسلحة الأردنية، تولى مواقع صنعت له مكانة خاصة في المجال العسكري والاستراتيجي. فقد أدار الاستخبارات العسكرية، حيث تتطلب المسؤولية دقة القراءة، وهدوء القرار، والقدرة على تقدير المخاطر قبل تحولها إلى أزمات. كما قاد كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية، وأسهم في إعداد قيادات عسكرية ومدنية قادرة على التعامل مع قضايا الأمن الوطني والتخطيط الاستراتيجي.
وفي واشنطن، أدى مهمة الملحق العسكري الأردني، ممثلًا بلاده في مساحة دقيقة تجمع بين العمل الدبلوماسي والتعاون الدفاعي. وهناك لم يكتفِ بالتمثيل الرسمي، بل نقل خبرته إلى قاعات الدرس من خلال محاضرات تناولت الأمن الوطني وإدارة الأزمات وصناعة القرار.
لكن صورة الرواحنة لا تكتمل عند حدود المناصب. فالمقربون منه يرون في شخصيته مزيجًا نادرًا من الحزم والإنسانية؛ عقلًا يعرف متى يتخذ القرار، وقلبًا يتسع للاستماع إلى الناس. وقد عُرف بالهدوء، وسعة الصدر، والحرص على معالجة الخلافات بما يحفظ الكرامة ويصون الروابط الاجتماعية.
وبعد التقاعد، لم تنطفئ علاقته بالشأن العام. بقيت خبرته رصيدًا للأجيال، وبقي حضوره مرتبطًا بفكرة أعمق من الوظيفة: أن خدمة الوطن لا تنتهي بانتهاء المنصب، وأن السيرة الحقيقية للقائد تُكتب بما يتركه من أثر في الناس، ومن ثقة في المؤسسة، ومن معنى نبيل للمسؤولية.


















