غسان الشواهين : بين «بزنس» الصداقة وفخ «تصفية الحسابات».. كيف ينقذنا علم الإدارة في بيئة العمل الأردنية؟

بقلم غسان الشواهين
في الموروث الأردني الأصيل مثلٌ يجلجل في المجالس: «عاشر السبع بتوكل من صيده، وعاشر الكلب بتوكل من فضلته»، وهو مثلٌ يضع يده على الجرح مباشرة. ولعل أعقد المعضلات التي تنخر في جسد المؤسسات الأردنية، عامة وخاصة، هي ثنائية العمل مع الأصدقاء وانزلاق الخلاف المهني إلى مستنقع تصفية الحسابات.
تبدأ الحكاية دوماً بعناق حار ونوايا بيضاء، صديقان يقرران تأسيس مشروع، أو مدير يفتح باب مكتبه لصديق الطفولة تحت شعار أهل الثقة أولى. لكن ما إن تدور عجلة الإنتاج وتصطدم الآراء حول الموازنة وآلية التقييم والقرارات المصيرية، حتى تذوب الحدود بين الديوان والميدان، ويتحول رصيد العمر المشترك إلى خنجر في خاصرة المؤسسة.
وهنا يتدخل علم الإدارة لا بلسان العاطفة بل بمشرط الجراح ليقول كلمته الفصل، إن النوايا الحسنة لا تبني دولاً ولا تصنع مؤسسات. فما لم يُحوكم العمل بالسياسات والإجراءات المنظمة، فإننا ندير مؤسساتنا بعقلية الفزعة لا بعقلية الدولة. ولقد تنبه المشرع الأردني مبكراً لهذا الخطر، فجاء نظام الخدمة المدنية ونظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم ثلاثة وثلاثين لسنة ألفين وأربعة وعشرين ليضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن المعيار هو الكفاءة والجدارة والتنافسية، لا الولاء الشخصي. بل إن ديوان الخدمة المدنية سابقاً وهيئة الخدمة والإدارة العامة حالياً جعلت من بطاقة الوصف الوظيفي والمسار الوظيفي وثيقة مقدسة لا يجوز القفز عليها بمظلة الصداقة.
أما تصفية الحسابات فهي الداء العضال والسرطان الصامت الذي يفتك بالإنتاجية، حيث يتحول الموظف من منجز يلاحق مؤشرات قياس الأداء إلى قناص يتصيد العثرات ويحجب المعلومة ويشيطن الزميل ويرفع تقارير كيدية. في هذه البيئة المسمومة يهرب المبدع وينزوي صاحب الكفاءة المغمورة ولا يبقى في المشهد إلا جوقة التصفيق من أهل الثقة على حساب أهل الخبرة، وتُجير الإنجازات لأبطال من ورق لا يملكون من الأمر إلا ضجيج الألقاب.
وللخروج من هذا النفق فإن روشتة الإنقاذ الأردنية يجب أن تبدأ بتقديس الوصف الوظيفي وفصل الذمم، فلا صداقة في التكليف ولا مجاملة في التوصيف، ويجب صياغة وصف وظيفي دقيق يحدد السلطة والمسؤولية والمساءلة حتى لو كان الشريك أخاك في النسب، فالمؤسسة ليست مضافة عشائرية. ثم لا بد من إرساء الحوكمة وسيادة القانون لا سيادة الأشخاص، عبر تفعيل نظام تقييم أداء موضوعي مبني على النتائج والأرقام والشواهد الملموسة وفقاً لتعليمات منحنى التوزيع الطبيعي للأداء، وليس وفقاً لمزاج المدير أو رضا الصديق، ليكون القانون سيفاً على رقاب الجميع.
كما يجب مأسسة الخلاف واحتواء النزاع عبر وضع آليات مؤسسية لفض النزاع من خلال إدارة الموارد البشرية ولجان التظلم ومدونة السلوك الوظيفي وتفعيل دور هيئة النزاهة ومكافحة الفساد كمظلة حامية، كي لا يتحول الخلاف من خلاف حول فكرة إلى صراع على شخص. ويبقى الأهم هو ترسيخ ثقافة التغذية الراجعة البناءة وتدريب الكوادر على نقد الفعل لا الفاعل ونقد المهمة لا صاحبها، فالكلمة كالرصاصة إن خرجت عن إطارها المهني قتلت ولاءً وانتماءً بنيناه لسنوات.
إن العمل مع الأصدقاء في الأردن ليس خطيئة بل قد يكون ميزة تنافسية إذا تلبس بلبوس المهنية. فهذا الوطن الذي بناه الأوائل على المحبة والعزوة قادر على أن يبني مؤسساته على الكفاءة والعدالة. الخطيئة الكبرى أن ندير شركاتنا بعقلية الجاهة والصلحة بينما العالم يدار بعقلية الحوكمة والرقمنة والذكاء الاصطناعي. إن الاستثمار في بيئة عمل عادلة وصارمة وشفافة تختار الأفضل لا الأشهر وتقدم المغمور الكفؤ على المشهور الفارغ هو وحده طوق النجاة، فالهدف نبيل والمرحلة مفصلية إما أن تكون أو لا تكون، ولن يكون الأردن إلا بأبنائه المخلصين الذين يعملون بصمت خلف الكواليس أولئك الجنود المجهولون الذين يستحقون أن يتصدروا المشهد لا أن يُسرق جهدهم.














