+
أأ
-

نضال البطاينة يكتب :- كيف نحمي المجتمع من خطاب الكراهية؟

{title}
بلكي الإخباري

 

 

لم تعد منشورات وتعليقات الكراهية وعدم قبول الآخر التي نراها يوميا على منصات التواصل الاجتماعي مجرد كتابات عابرة أو مشاحنات تنتهي بانتهاء المنشور؛ إنها، حين تتراكم وتُغذّى وتتحول إلى خطاب متكرر، تصبح خطرًا على النسيج الوطني، وتهديدًا للسلم المجتمعي، ومدخلًا لتوسيع التصدعات والشروخ التي قد يصعب ترميمها إذا تُركت حتى تستفحل. 

حين يبدأ الأردني بتصنيف أخيه الأردني على أساس أنه من الشمال أو الجنوب، أو من الشرق أو الغرب، أو أردني أو فلسطيني - ان جاز التعبير- ، وحين تتحول المنافسة بين الأندية الرياضية من اختلاف مشروع في التشجيع إلى مناسبة للتخوين والإساءة والتحريض، فإننا لا نكون أمام خلافات اجتماعية طبيعية فحسب، بل أمام مؤشرات تستحق التوقف والتعامل معها بمسؤولية ومسائلة. 

إن الأوطان لا تتفكك بالضرورة بضربة واحدة؛ قد تبدأ الحكاية بكلمة، ثم تصبح الكلمة موقفًا، ويتحول الموقف إلى صورة نمطية، وتغدو الصورة النمطية حاجزًا نفسيًا بين أبناء المجتمع الواحد. وعندما تتسع هذه الحواجز، يصبح استثمارها واللعب على وترها في أوقات الأزمات أكثر سهولة وخطورة. 

من هنا، فإنني أدعو السلطات المختصة إلى تبني مبادرة تشريعية لإقرار قانون وطني يُسمّى "قانون التسامح" أو "قبول الآخر" أو "تجريم خطاب الكراهية" بحيث يضع النقاط على الحروف ويجرّم خطاب الكراهية والتحريض على التمييز والعنف والفتنة، ويضع عقوبات مناسبة ورادعة،  وفق تعريفات قانونية دقيقة وضمانات قضائية واضحة. 

ان هذه الفكرة ليست بعيدة عن التجارب الإقليمية؛ فقد أقرت عدّة دول تشريعات لمكافحة التمييز والكراهية والتطرف، وطورت إطارها القانوني في هذا المجال، ويمكن للأردن الاستفادة من تلك التجارب ودراستها، لا باستنساخها، بل ببناء تشريع يتناسب مع الدستور الأردني وخصوصية المجتمع وأولوياته الوطنية. 

إن المقصود بقانون التسامح ليس معاقبة الناس على آرائهم، ولا مصادرة حقهم في النقد أو الاختلاف، ولا تحويل القانون إلى أداة لإسكات الأصوات المعارضة؛ بل التمييز بوضوح بين حرية التعبير، التي تحمي حق الإنسان في إبداء رأيه، وخطاب الكراهية، الذي يستهدف التحريض على التمييز أو العداء أو العنف ضد الآخرين. 

وهنا تكمن مسؤولية المشرّع: أن يضع تعريفًا محددًا للأفعال المجرّمة، وأن يربط المسؤولية بأركان قانونية قابلة للإثبات، وأن يمنع التوسع في التأويل والتطبيق الانتقائي، وأن يضمن حق الدفاع والطعن أمام القضاء. فالتسامح لا يُبنى بإلغاء الحريات، كما أن الحريات لا تعني منح أحد حق التحريض على كراهية الآخرين أو تهديد سلامتهم وكرامتهم، فنحن بحاجة إلى تشريع لا يقف عند حدود المعالجة بعد وقوع الضرر، بل يسهم في الوقاية منه؛ من خلال رصد أنماط التحريض، ومساءلة من يثبت تورطه وفق القانون، وتعزيز التربية على المواطنة، وتطوير خطاب إعلامي مسؤول، وإطلاق برامج وطنية لمواجهة الصور النمطية والانقسامات المناطقية والاجتماعية. فالقانون وحده لا يصنع ثقافة التسامح، لكنه يستطيع أن يرسم حدودًا واضحة لا يجوز تجاوزها. 

إن حماية الوحدة الوطنية ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، ولا مهمة المؤسسات التعليمية والإعلامية وحدها؛ إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والمنبر الإعلامي، وتصل إلى مجلس النواب الذي يملك مسؤولية دستورية في تطوير التشريعات بما يحمي المجتمع ويصون الحقوق. ولأن الأردن يواجه تحديات إقليمية وأمنية وفكرية متشابكة، فإن تحصين جبهته الداخلية يجب أن يكون جزءًا من التفكير الاستراتيجي في الأمن الوطني، فالمجتمع المتماسك أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأقل قابلية للاستقطاب، وأصعب اختراقًا أمام محاولات بث الفتنة واستثمار الانقسامات. 

لسنا بحاجة إلى انتظار أزمة حتى نكتشف خطورة الكراهية، ولا إلى انتظار حادثة حتى ندرك أن الوقاية أقل كلفة من المعالجة. إن مسؤولية الدولة الحديثة يجب أن تركز على قراءة المؤشرات المبكرة، وأن تتدخل بالأدوات المناسبة قبل أن يتحول الاحتقان إلى صدام، والتحريض إلى عنف، والانقسام الافتراضي إلى شرخ اجتماعي حقيقي. 

نعم إننا بحاجة إلى تشريع يحمي الأردني من الكراهية ويؤسس لثقافة قبول الآخر الذي ليس بالضرورة أن يشبهني، لا قانونًا يخيفه من التعبير؛ قانونًا يحاسب المحرّض، لا المختلف معه؛ قانونًا يحمي الوحدة الوطنية، لا يفرض وحدة الآراء. 

إن وضع هذا التشريع يبدأ من حوار وطني يشارك فيه القانونيون ومؤسسات حقوق الإنسان والإعلاميين والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني، وصولًا إلى تشريع متوازن يحمي المجتمع من التحريض ويصون الحريات الدستورية، فالأردن أكبر من جغرافيا الانقسام، وأعمق من تصنيفات الهويات الضيقة، وأبقى من خصومات الملاعب والشاشات. 

نحن أردنيون قبل كل تصنيف، وشركاء في وطن واحد، ومصيرنا واحد. ولا يجوز أن نترك الكراهية تكتب مستقبلنا، بينما نملك من الوعي والتشريع والإرادة ما يكفي لحماية حاضرنا وصناعة مستقبل أكثر تماسكًا.

حمى الله الأردن