الدكتور حكمت الطراونة :من كيب تاون إلى عمّان: خطاب الملكة رانيا وإعادة تعريف العلاقة بين العدالة الدولية والأمن المجتمعي ووعي الشباب

قراءة استراتيجية في دلالات الخطاب وانعكاساته على الأمن الوطني الأردني والقوة الناعمة والوقاية من التطرف العنيف.
بقلم: الدكتور حكمت الطراونة
دكتوراه في علم الجريمة
لم تكن كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله في افتتاح قمة «عالم شاب واحد» في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، في الثالث من تشرين الثاني 2026، مجرد خطاب تضامني مع الشعب الفلسطيني، أو مشاركة بروتوكولية في مؤتمر دولي يجمع القيادات الشبابية من مختلف دول العالم؛ بل حملت أبعاداً سياسية وأخلاقية واستراتيجية تتجاوز حدود المناسبة ومكان انعقادها.
فقد طرحت جلالتها من خلال خطابها مجموعة من التساؤلات الجوهرية حول مصداقية النظام الدولي، وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الإنسانية، ومسؤولية الدول تجاه تطبيق القانون الدولي، فضلاً عن الدور المتنامي للشباب في إعادة تشكيل الوعي العالمي ومواجهة محاولات تهميش الحقيقة.
وتكتسب الكلمة أهمية إضافية من سياقها التاريخي والجغرافي؛ إذ جاءت من جنوب إفريقيا، الدولة التي ارتبط اسمها بالنضال ضد نظام الفصل العنصري، وفي ظل الاحتفاء بالذكرى الخمسين لانتفاضة سويتو الطلابية عام 1976، بما تحمله هذه المناسبة من دلالات حول دور الأجيال الشابة في مقاومة الظلم وصناعة التحولات التاريخية.
ومن هنا، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين ثلاثة مفاهيم مترابطة: العدالة الدولية، والأمن المجتمعي، والوعي الشبابي.
أولاً: الدبلوماسية الأخلاقية الأردنية وتعزيز القوة الناعمة
من أبرز دلالات الخطاب أنه عكس توجهاً متقدماً في توظيف القوة الناعمة الأردنية، من خلال تقديم الموقف الأردني ضمن إطار إنساني وقانوني وأخلاقي يتجاوز حدود الخطاب السياسي التقليدي.
فالقوة الناعمة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على التأثير في مواقف الحكومات، وإنما أيضاً بقدرتها على التأثير في الرأي العام الدولي، وبناء الثقة، وتقديم خطاب يمتلك المصداقية والقدرة على الوصول إلى ضمير الشعوب.
وفي هذا السياق، فإن حضور جلالة الملكة في منصة دولية تضم آلاف الشباب من أكثر من 190 دولة، أتاح مساحة للتواصل المباشر مع جيل يمتلك تأثيراً متزايداً في تشكيل اتجاهات الرأي العام، خصوصاً في البيئة الرقمية.
كما أن استهلال الكلمة بالإشارة إلى الاعتداء الإرهابي الذي استهدف إحدى الكنائس في محافظة الكرك، وما يمثله من اعتداء على قيم المجتمع الأردني، يحمل دلالة مهمة تتصل بهوية الدولة الأردنية القائمة على التعايش والتسامح واحترام التنوع الديني والاجتماعي.
وهنا تتجلى رسالة استراتيجية واضحة: إن مواجهة الإرهاب لا تنفصل عن حماية القيم التي يقوم عليها المجتمع، وإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الأمنية، بل أيضاً بقدرتها على حماية تماسكها الاجتماعي وهويتها الوطنية.
ثانياً: ازدواجية المعايير وأزمة الثقة بالنظام الدولي
لعل المحور الأكثر عمقاً في الخطاب هو مساءلة المجتمع الدولي عن الفجوة بين المبادئ التي يعلنها والممارسات التي يتبناها.
فجلالة الملكة لم تكتفِ بالتعبير عن الموقف تجاه معاناة الفلسطينيين، وإنما انتقلت إلى مساءلة النظام الدولي حول مدى التزامه بالقواعد القانونية والإنسانية التي يفترض أن تحكم العلاقات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف ومبادئ حماية المدنيين.
كما استحضرت موقف جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، بوصفه نموذجاً لتحويل الموقف الأخلاقي إلى مسار قانوني ومؤسسي.
إن الأهمية الاستراتيجية لهذه الرسالة تكمن في أن أزمة النظام الدولي لا ترتبط فقط بوجود الصراعات، وإنما تتصل أيضاً بتراجع الثقة في عدالة المؤسسات الدولية عندما يشعر الرأي العام بأن تطبيق القانون يخضع لموازين القوة والمصالح السياسية.
وعلية فإن استمرار هذه الفجوة لا يهدد شرعية المؤسسات الدولية فحسب، بل ينعكس أيضاً على الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويضعف الإيمان بجدوى القانون بوصفه وسيلة سلمية لحل النزاعات.
وهنا تبرز أهمية الرسالة التي حملها الخطاب: إن العدالة الدولية لا يمكن أن تكون انتقائية، وإن احترام القانون يجب أن يكون التزاماً شاملاً لا يخضع لهوية الضحية أو قوة الطرف المعتدي.
ثالثاً: الشباب ومعركة الوعي في مواجهة الاستقطاب والتضليل
من أكثر الجوانب أهمية في كلمة جلالة الملكة إعادة الاعتبار لدور الشباب في صناعة الوعي والموقف السياسي والاجتماعي.
فقد رفضت جلالتها التصورات التي تقلل من قدرة الشباب على فهم القضايا الدولية، أو تختزل مواقفهم في الاندفاع العاطفي وقلة الخبرة.
وتحمل هذه الرسالة بعداً استراتيجياً مهماً؛ لأن الشباب لم يعودوا مجرد متلقين للمعلومات أو مستهلكين للخطاب السياسي، بل أصبحوا شركاء في تشكيل الرأي العام وإنتاج المعرفة والتأثير في السياسات.
لكن الخطاب لم يكتفِ بالدفاع عن حق الشباب في التعبير، بل ربط هذا الحق بالمسؤولية المعرفية، عندما دعتهم إلى قراءة التقارير، والتحقق من مصادر المعلومات، وعدم الاكتفاء بمقاطع الفيديو القصيرة.
وهذه الدعوة تضعنا أمام مفهوم بالغ الأهمية في المرحلة الراهنة، هو الأمن المعرفي والمناعة الرقمية.
ففي عالم تتسارع فيه المعلومات، وتتداخل فيه الحقيقة مع التضليل، لم تعد القدرة على الوصول إلى المعلومة كافية، بل أصبحت القدرة على تحليلها والتحقق منها وفهم سياقها ضرورة لحماية المجتمع.
ومن هنا، فإن بناء وعي الشباب ينبغي أن يقوم على ثلاثة مرتكزات:
• التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل.
• تعزيز الحوار وقبول الاختلاف دون الانزلاق إلى التعصب والاستقطاب.
• تحويل الاهتمام بالقضايا العامة إلى مشاركة مدنية مسؤولة تستند إلى المعرفة والقانون.
وهذه المرتكزات تمثل جزءاً أساسياً من أي استراتيجية وطنية تسعى إلى حماية الشباب من الاستغلال الفكري والسياسي، وتعزيز قدرتهم على التعامل الواعي مع التحديات المعاصرة.
رابعاً: من الشعور بالظلم إلى الوقاية من التطرف العنيف
من زاوية علم الجريمة ودراسات التطرف العنيف، يمكن التوقف عند مفهوم «القهر» الذي استحضرته جلالة الملكة في خطابها.
فالمقصود هنا ليس مجرد الشعور بالحزن أو الغضب تجاه حدث معين، وإنما الإحساس العميق بأن المعاناة لا تُرى، وأن الحقوق لا تُنصف، وأن صوت الإنسان يجري تجاهله أو التقليل من شأنه.
وهذا المفهوم يفتح مجالاً مهماً للتحليل الاجتماعي والأمني.
فالشعور بالظلم، عندما يترافق مع التهميش الاجتماعي، وضعف الثقة بالمؤسسات، وغياب قنوات التعبير، قد يتحول إلى عامل من عوامل الاستقطاب المجتمعي.
ولا يعني ذلك أن الشعور بالظلم يؤدي حتماً إلى التطرف، فالعلاقة بينهما ليست حتمية، وإنما تتأثر بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
لكن الخطورة تظهر عندما تنجح الجهات المتطرفة في استثمار المظالم الحقيقية، وإعادة تفسيرها ضمن خطاب يقوم على الكراهية والإقصاء، أو تقديم العنف باعتباره وسيلة وحيدة للتغيير.
وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بالوقاية القائمة على العدالة؛ أي معالجة الأسباب التي تغذي الشعور بالتهميش، وتعزيز ثقة الشباب بالمؤسسات، وتوفير مساحات آمنة للتعبير والنقاش، وترسيخ ثقافة المواطنة وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي يمكن استخلاصها من الخطاب هي أن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط من الإجراءات الأمنية، بل تبدأ أيضاً من معالجة البيئات التي تسمح بتراكم الإحباط وفقدان الثقة والشعور بالظلم.
فالأمن الحقيقي لا يقوم على منع السلوك المنحرف فحسب، بل على بناء مجتمع يشعر أفراده بأن حقوقهم مصونة، وأن أصواتهم مسموعة، وأن القانون يحمي الجميع دون تمييز.
خامساً: المقارنة التاريخية بين جنوب إفريقيا وفلسطين ودلالات الذاكرة السياسية
لم يكن اختيار جنوب إفريقيا مكاناً لإلقاء الخطاب تفصيلاً جغرافياً عابراً، بل حمل دلالة رمزية وسياسية واضحة.
فقد استحضرت جلالة الملكة تجربة النضال الجنوب إفريقي ضد الفصل العنصري، وأشارت إلى موقف نيلسون مانديلا من القضية الفلسطينية، حين أكد أن حرية جنوب إفريقيا لا تكتمل دون حرية الفلسطينيين.
وتكمن أهمية هذه الإشارة في توظيف الذاكرة التاريخية لبناء التضامن الدولي، وربط التجارب الإنسانية ببعضها من خلال قيم الحرية والكرامة والمساواة.
ومن منظور العلاقات الدولية، يمكن النظر إلى هذا التوظيف باعتباره شكلاً من أشكال الدبلوماسية الرمزية، التي تستثمر التاريخ والذاكرة الجمعية لتعزيز شرعية المواقف السياسية وإيصالها إلى جمهور أوسع.
ومع ذلك، فإن المقارنة التاريخية بين التجربتين لا تعني تطابقهما في جميع الظروف والتفاصيل القانونية والسياسية، وإنما تستند إلى الاستفادة من الدلالات الإنسانية والسياسية المشتركة المتعلقة بالحرية والتمييز والحقوق وتقرير المصير.
وهذا التمييز مهم حتى تبقى المقارنة أداة للتحليل والفهم، لا مجرد تشابه خطابي.
سادساً: العلاقة بين العدالة والأمن الوطني الأردني
إن من أهم الدروس الاستراتيجية التي يمكن استخلاصها من الخطاب ضرورة تجاوز النظرة التقليدية للأمن الوطني باعتباره مفهوماً يرتبط فقط بحماية الحدود ومواجهة التهديدات المباشرة.
فالأمن الوطني الحديث أصبح منظومة متكاملة تتفاعل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والإعلامية.
وفي الحالة الأردنية، يمكن قراءة هذه العلاقة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
المستوى الأول: الدولة ومؤسساتها
ويتمثل في تعزيز سيادة القانون، وترسيخ العدالة، ورفع كفاءة المؤسسات، وحماية الأمن والاستقرار، وضمان أن يشعر المواطن بأن حقوقه ومصالحه مصانة.
المستوى الثاني: المجتمع وتماسكه
ويتطلب تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، ومواجهة خطاب الكراهية، وتوسيع مشاركة الشباب في الحياة العامة.
المستوى الثالث: البيئة الإقليمية والدولية
ويتمثل في تعزيز التعاون الدولي، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، وتوسيع الشراكات في مجالات مكافحة التطرف العنيف والتضليل الرقمي، والدفاع عن احترام القانون الدولي.
إن التكامل بين هذه المستويات الثلاثة هو الذي يمنح الأمن الوطني استدامته؛ فالدولة القوية تحتاج إلى مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج إلى مؤسسات عادلة، وكلاهما يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية أكثر استقراراً واحتراماً للقانون.
على الرغم من أهمية الرسائل التي تضمنتها كلمة جلالة الملكة، فإن التحدي الاستراتيجي الأهم يكمن في كيفية الانتقال من الموقف الأخلاقي إلى التأثير المؤسسي والسياسي المستدام.
فإدانة الظلم لا تكفي وحدها لتغييره، والتعبير عن التضامن لا يضمن بالضرورة تحقيق العدالة، كما أن رفع مستوى الوعي لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسات.
إن المطلوب هو بناء جسور بين الخطاب والممارسة، وبين القيم والسياسات، وبين المواقف الشعبية والآليات المؤسسية.
ومن هنا، تبرز ضرورة أن تتحول الرسائل الموجهة إلى الشباب إلى مبادرات طويلة الأمد، وأن تتحول الدعوة إلى احترام القانون الدولي إلى مواقف مؤسسية واضحة، وأن يصبح تعزيز العدالة الاجتماعية جزءاً من استراتيجيات الأمن الوطني.
وفي الختام إن كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله في قمة «عالم شاب واحد» في كيب تاون قدمت نموذجاً لخطاب يجمع بين الدبلوماسية الأخلاقية والرسالة السياسية والمسؤولية المجتمعية.
وقد نجحت في نقل النقاش من حدود القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إقليمية إلى مساحة أوسع تتعلق بمصداقية النظام الدولي، ومستقبل القانون، ودور الشباب في الدفاع عن الحقوق ومواجهة الظلم.
لكن الدلالة الأعمق للخطاب، في تقديري، تتمثل في إعادة التأكيد على أن الأمن والاستقرار لا يمكن فصلهما عن العدالة والكرامة الإنسانية، وأن المجتمعات التي تفقد ثقتها بالقانون والمؤسسات تصبح أكثر عرضة للاحتقان والاستقطاب.
وبالنسبة للأردن، فإن هذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة؛ لأن حماية الأمن الوطني لا تقتصر على مواجهة التهديدات الخارجية أو منع المخاطر الداخلية، وإنما تشمل أيضاً حماية الوعي المجتمعي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وترسيخ قيم المواطنة، وتحصين الأجيال الجديدة من الاستقطاب والتطرف.
إن معركة المستقبل ليست فقط معركة على الأرض أو على موازين القوة، بل هي أيضاً معركة على الوعي والشرعية والقيم الإنسانية.
فالدولة التي تحمي حدودها بالقوة، وتحمي مجتمعها بالعدالة، وتحمي أجيالها بالوعي والمعرفة، هي الدولة الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
المراجع والمصادر
1. الموقع الرسمي لجلالة الملكة رانيا العبدالله، كلمة جلالة الملكة في قمة عالم شاب واحد، كيب تاون، 3 تشرين الثاني 2026.
2. وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، «الملكة رانيا العبدالله: الدفاع عن الحق ليس عاطفة.. والوعي السلاح الأقوى في مواجهة الجرائم»، 4 تشرين الثاني 2026.
3. الموقع الرسمي لقمة One Young World، برنامج قمة كيب تاون 2026.
The Global Community for Young Leaders



















