+
أأ
-

أ. د. ليث كمال نصراوين : بماذا يفكر الرئيس اليوم؟

{title}
بلكي الإخباري

مع انتهاء الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة، ودخول مجلس النواب في عطلة برلمانية مؤقتة، يبدأ مشهد سياسي مختلف في الداخل الأردني، تتزايد فيه القراءات والتحليلات حول الملفات الحالية التي تشغل تفكير رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان. فالعطلة البرلمانية تمثل فرصة للحكومات لكي تقوم بإعادة تقييم أدائها، ومراجعة أولوياتها، بعيدا عن ضغوط الرقابة النيابية والجدالات التشريعية. ومن هنا، يبرز التساؤل حول ما الذي يفكر به الرئيس اليوم، وما هي الملفات التي تتصدر سلم أولويات الحكومة في المرحلة القادمة.

 

يبدو أن الملف الأول الذي يحضر بقوة على طاولة الرئيس يتعلق بالدعوة إلى عقد دورة استثنائية لمجلس الأمة، في ظل التوجه الحكومي لتسريع إقرار مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد. فهذا المشروع لا يرتبط فقط بمسار التحديث الإداري الذي تتبناه الدولة، وإنما يمتد ليشمل إعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية والوحدات المحلية، وتطوير أدوات العمل البلدي واللامركزي في المحافظات.

ومن هنا، فإن مسألة التنسيب إلى جلالة الملك بعقد دورة استثنائية لمجلس الأمة تبدو من القضايا التي قد يفكر فيها الرئيس خلال هذه الفترة، لا سيما وأن مجلس النواب الحالي لم يعقد دورة استثنائية خلال سنته الأولى.

أما الملف الثاني، فهو ملف التعديل الوزاري، الذي لا يغيب عن النقاشات السياسية والإعلامية والتي قد يكون الرئيس مضطر للتفكير به والرد عليه بقوة، خاصة وأن الأمر قد وصل لدى بعض المراقبين إلى تسمية الوزراء المغادرين وأسماء الشخصيات القادمة إلى الحكومة، وكأن القرار قد حُسم بالفعل. إلا أن رئيس الوزراء يتعامل مع هذه التكهنات بهدوء سياسي واضح، بعيدا عن الضغوط الإعلامية أو المزاج السياسي المتقلب. فالتعديل الوزاري في الأنظمة البرلمانية يفترض أن يستند إلى اعتبارات موضوعية تتعلق بقدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها، ومدى الانسجام داخل الفريق الوزاري، وكفاءة الوزراء في إدارة ملفاتهم.

فالتعديل الوزاري يكون أحيانا ضرورة لإعادة تنشيط الأداء الحكومي أو معالجة بعض الاختلالات في عمل بعض الوزراء، إلا أن الإفراط فيه قد يتحول إلى عبء على الحكومة، لما يخلقه من حالة عدم استقرار داخل الفريق الوزاري. فمن يطالب الرئيس اليوم بإجراء تعديل وزاري سريع، هو نفسه الذي سيعود لاحقا لانتقاده لكثرة التغييرات داخل حكومته.

أما الملف الثالث الذي يبدو حاضرا بصورة دائمة على طاولة الرئيس، فهو الملف الاقتصادي، حيث يُسجل للحكومة الحالية أنها قد نجحت خلال الفترة الماضية في المضي قدما بتنفيذ عدد من المشاريع الكبرى، في مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالأمن المائي في الأردن، إلى جانب توقيع اتفاقيات لإنشاء مشروع استثماري للسكك الحديدية في مدينة العقبة، فضلا عن محاولات جذب استثمارات جديدة في قطاعات الطاقة والخدمات والتكنولوجيا.

ويبقى الملف الرابع والأكثر حساسية، وهو ملف الرأي العام ومدى استمرار الثقة الشعبية بالحكومة. فمع مرور الوقت، تبدأ الحكومات بالانتقال من مرحلة تقديم الوعود والخطط إلى للخضوع للرقابة السياسية والمساءلة الشعبية عن حجم الإنجاز الحقيقي على أرض الواقع. واليوم، وبعد مرور ما يقارب العام ونصف العام على تشكيل الحكومة، لا تزال تحافظ على مستوى عال من الثقة الشعبية، ويعود الفضل في ذلك بدرجة كبيرة إلى رئيس الوزراء نفسه، الذي استطاع أن يقدم صورة مختلفة للمسؤول الحكومي القريب من الميدان، والحاضر بين المواطنين، حتى في المناطق النائية التي تعاني نقصا في الخدمات الأساسية.

وفي المحصلة، يبدو أن رئيس الوزراء يتعامل مع المرحلة الحالية بعقلية سياسية محنكة تقوم على ترتيب الأولويات وعدم التسرع في اتخاذ القرارات، بحيث يبقى ملف الدورة الاستثنائية، إلى جانب الملفات الاقتصادية والإدارية، في مقدمة اهتماماته خلال الفترة الحالية، في حين قد يكون ملف التعديل الوزاري أقل هذه الملفات إلحاحا في الوقت الراهن، خاصة وأن نفاذ بعض التشريعات، وفي مقدمتها قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، سيفرض استحقاقات دستورية تتعلق ببعض الوزراء العاملين في الحكومة الحالية.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية