أوس المجالي يكتب :- الكرك لا تعرف الطائفية… والدم الذي أُريق لن يغيّر تاريخ المحبة

بعد أن أُلقي القبض على أولئك المجرمين الذين تجردوا من إنسانيتهم، وانكشفت وجوههم على حقيقتها، لا بدّ لنا أن نقف إجلالًا وإكبارًا لجهود أجهزتنا الأمنية الباسلة، التي أثبتت مرةً أخرى أنها حصن الوطن المنيع، وعينه الساهرة، ويده التي تطال كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الأردن واستقراره. لهم منّا كل الثناء والتقدير على ما بذلوه من جهودٍ في ملاحقة هؤلاء الجناة، وتقديمهم للعدالة، صونًا لحرمة الدم، وحمايةً لأمن الوطن وكرامة أبنائه.
ولجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، نقول: لقد قلتَها واضحةً مدوّيةً: «راح نورجيهم»، فكان وعدك عهدًا، وكان عهدك فعلًا؛ صدقتَ القول، وأوفيتَ الوعد، وأثبتَّ أن هيبة الدولة الأردنية ليست موضع اختبار، وأن أمن الأردن خطٌّ أحمر لا يُسمح لأحدٍ بتجاوزه. فلكل من ظنّ أن دماء الأردنيين مستباحة، أو أن يد العدالة ستعجز عن بلوغه، جاءه الجواب بالفعل لا بالقول وحده.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
سورة الفجر، الآيات ٢٧–٣٠، من القرآن الكريم.
«عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا».
سفر أيوب، الإصح
وبعد أن أُنجز ذلك، وأُخذ المجرمون بجريرتهم، أستطيع الآن
وبحزنٍ يعتصر القلب، وتعجز الكلمات عن الإحاطة به، أنعى صديقي الحبيب، الدكتور فادي الهلسة، الذي رحل عن هذه الدنيا في جريمةٍ غادرةٍ لا يقرّها دين، ولا يقبلها ضمير، ولا يمكن لإنسانٍ بقي في قلبه شيءٌ من الرحمة أن يجد لها تبريرًا. إلى روحه الرحمة، وإلى أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وإلى كل قلبٍ عرفه وعاشره أصدق العزاء والمواساة.
وأنعى معه الدكتور عاصم البرقان، أستاذ الجامعة الهاشمية، والدكتور ماهر الزريقات، والدكتور خالد الهلسة، وإيهاب هلسة، ومروان الخيطان، وعلاء المصاروة، ومازن القسوس، والدكتور محمد القسوس،
رحم الله أرواحكم الطاهرة، وجعل ذكراكم باقيةً في ضمائرنا، وألهم أهلكم ومحبيكم جميل الصبر والسلوان. ستبقى أسماؤكم في ذاكرة الكرك وأهلها، وسيظل رحيلكم وجعًا في قلوب كل من يؤمن بأن الإنسان أخو الإنسان، وأن الدماء البريئة لا يبرر سفكها دينٌ ولا عقيدة.
لم تكن الجريمة التي شهدتها الكرك مجرد إطلاق نارٍ على مشيّعين في جنازة؛ بل كانت اعتداءً على حرمة الموت، وعلى حق الإنسان في أن يودّع أحبابه بسلام، وعلى قيمةٍ إنسانيةٍ عظيمةٍ آمنت بها هذه الأرض عبر تاريخها: أن الإنسان يُصان لكونه إنسانًا، وأن اختلاف الدين لا يُسقط حرمة الدم، ولا يُبيح العدوان، ولا يمنح أحدًا حقّ تحويل دور العبادة ومجالس العزاء إلى ساحاتٍ للقتل.
إننا ندين هذه الجريمة بأشدّ العبارات، وندين مرتكبيها وكل من حرّض عليها أو أعان على ارتكابها أو تواطأ معها. لا عذر للقتل، ولا شرف في الغدر، ولا بطولة في استهداف الآمنين. ومن يرفع السلاح في وجه أناسٍ اجتمعوا لتشييع ميت، إنما يكشف عن سقوطٍ أخلاقيٍّ لا تستره الشعارات، ولا تمنحه الأوهام الدينية أو الفكرية أي شرعية. ونطالب باستكمال الإجراءات القانونية ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء، دون تهاونٍ أو انتقامٍ خارج إطار القانون.
إن الأديان التي جاءت لتصون الإنسان لا يمكن أن تكون غطاءً لقتله، وإن كل خطابٍ يحرّض على الكراهية ويستبيح دماء الأبرياء إنما ينقلب على جوهر الدين قبل أن ينقلب على المجتمع.
ولنا في وصايا رسول الله محمد ﷺ ما يذكّرنا بقداسة النفس الإنسانية؛ فقد نهى عن قتل النساء والأطفال، وعن الغدر والاعتداء. فإذا كانت الشريعة قد وضعت هذه الحدود حتى في زمن الحرب، فكيف يُسوَّغ استهداف أناسٍ عُزّل في جنازة؟ وكيف يجرؤ أحدٌ على أن ينسب إلى الدين فعلًا يضرب أبسط مبادئ الرحمة والعدل؟
أما الكرك، فلا تختصرها رصاصة، ولا تغيّر حقيقتها جريمة، ولا تستطيع يدٌ آثمة أن تمحو تاريخًا من الأخوّة.
في الكرك لم نكن نميّز بين مسيحيٍّ ومسلم حين نتحدث عن أهلنا وجيراننا وأصدقائنا. درسنا في مدارسهم، ودرسوا في مدارسنا، وعشنا معًا وتقاسمنا الأفراح والأتراح، ودخلنا كنائسهم للتعزية، ودخلوا مساجدنا للتعزية؛ لأن الحزن لا يحتاج إلى ترجمة، ولأن المواساة لا تسأل صاحب المصاب عن دينه قبل أن تمدّ إليه يدها. لم تكن الجيرة عندنا اتفاقًا مؤقتًا، ولا كانت الأخوّة شعارًا نرفعه أمام الناس؛ كانت حياةً يوميةً وذاكرةً مشتركةً وبيوتًا تتجاور، وقلوبًا تعرف أن المصاب إذا نزل ببيتٍ من بيوت الكرك فإن وجعه يتجاوز عتبة ذلك البيت إلى سائر البيوت.
وتروي ذاكرة الكرك، التي تناقلتها الأجيال عن الآباء والأجداد، صفحةً مضيئةً من تاريخ الأخوّة بين المسلمين والمسيحيين؛ ففي عهد العثمانيين، وتحت قيادة سامي باشا الفاروقي، أُعطي أبناء العشائر المسيحية طلاءٌ أحمر لرسم الصلبان على بيوتهم وتمييزها عن بيوت المسلمين. لكن أبناء الكرك المسيحيين أبوا أن يتركوا جيرانهم المسلمين عرضةً للاقتحام والتنكيل، فخلطوا الطلاء بالماء ليكفي بيوتًا أكثر، ورسموا الصلبان على بيوت جيرانهم المسلمين أيضًا، إفشالًا لمخطط التفريق بينهم.
لم يكن ذلك مجرد موقفٍ عابر، بل كان تعبيرًا عن عهدٍ من الجيرة والوفاء، وعن حقيقةٍ عرفتها الكرك قبل أن تكتبها الكتب: أن حماية الجار واجب، وأن الأخوّة لا تقف عند اختلاف الدين، وأن من يجمعهم تراب الوطن لا تفرّقهم محاولات الفتنة.
وهكذا كانت الكرك، وهكذا ستبقى؛ نسيجًا واحدًا لا تمزّقه يد الإرهاب، ولا تنال منه دعوات الكراهية. فمن يعتدي على مسيحيٍّ فيها إنما يعتدي على أخيه المسلم، ومن يستهدف مسلمًا إنما يستهدف أخاه المسيحي؛ لأن المصير واحد، والوجع واحد، والكرامة واحدة.
يا أهل الكرك، إن أعظم ما يمكن أن نقدّمه لشهدائنا اليوم هو ألّا نسمح للجريمة بأن تنال منّا مرتين: مرةً حين سلبت أرواحًا بريئة، ومرةً حين تنجح في بثّ الشك والعداء بين أبناء الأرض الواحدة. لا نترك للقتلة أن يختاروا لنا من نحب، ولا أن يحدّدوا لنا من نواسي، ولا أن يرسموا حدودًا بين بيتٍ وبيت، أو مسجدٍ وكنيسة. فهذه الأرض أوسع من كراهيتهم، وتاريخها أعمق من جريمتهم، وأهلها أكبر من أن يُختزلوا في فعل مجرمين.
ولن نخلط بين إدانة الجناة وإدانة جماعةٍ دينيةٍ بأكملها؛ فالمسؤولية تقع على من ارتكب الجريمة ومن تثبت مشاركته أو تحريضه عليها، لا على دينٍ أو طائفةٍ أو مجتمع. إن العدالة الحقيقية هي التي تكشف الحقيقة وتحاسب المسؤولين وتحمي الأبرياء، أما التعميم والتحريض فليسَا إلا بابًا آخر للأذى الذي ندينه اليوم.
إلى صديقي الحبيب الدكتور فادي عاصم الهلسة، وإلى جميع الشهداء: سلامٌ على أرواحكم، وعلى الأيام التي جمعتكم بأحبابكم، وعلى الأثر الطيب الذي تركتموه في قلوب من عرفوكم. قد يعجز الكلام عن ردّ الغائب، لكنه لا يعجز عن حفظ الذكرى، ولا عن إعلان الحق، ولا عن الوقوف في وجه الكراهية.
رحم الله شهداء الكرك، وألهم أهلهم وذويهم الصبر والقوة، وشفى المصابين، وحمى الأردن وأهله من كل سوء.
ستبقى الكرك كركًا؛ لا يفرّق أبناءها دين، ولا تمزّق وحدتهم رصاصة، ولا يكتب تاريخها مجرم. فيها مسجدٌ وكنيسة، وبينهما شعبٌ واحد، وجيرةٌ واحدة، ووجعٌ واحد، وكرامةٌ واحدة لا تقبل المساومة.


















