"أحمد عبيدات.. حين يرحل الموقف ويبقى الأثر: وداعاً لضمير الدولة وحارس مبادئها"

كتب الناشر - يرحل الكبار لكنهم لا يغادروننا تماما يتركون خلفهم مسارات محفورة في صخر الوطن ودروسا في فلسفة الالتزام التي قلما تجد لها نظيرا في زحام السياسة ، وبرحيل الرئيس أحمد عبيدات لا يفقد الأردن مجرد رئيس وزراء أسبق أو رجل أمن بارز بل يفقد بوصلة كانت تشير دوما إلى الشمال الوطني كلما اشتدت العواصف .
فقد كان رحمه الله يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تستمد من الكرسي الذي يجلس عليه بل من القدرة على مغادرته حينما يتعارض مع الضمير وفي فكره لم تكن السلطة هدفا بل كانت أمانة ثقيلة يحاسب عليها أمام التاريخ قبل الناس حيث جسد مقولة أن رجل الدولة الحقيقي هو من يبني المؤسسات لتستمر من بعده لا من يبني مجدا شخصيا يزول بزواله .
ويذكر التاريخ صلابته التي لا تلين منذ كان ضابطا شابا واجه التحديات في أحلك الظروف دون أن تنكسر إرادته بل صهرتها تلك التجارب ليكون لاحقا مديرا للمخابرات العامة وعينه على أمن المواطن وكرامته قبل كل شيء مؤمنا بأن العدل هو جوهر الاستقرار وحين قدم استقالته من رئاسة الوزراء في منتصف الثمانينيات لم تكن مجرد إجراء إداري بل كانت تعبيرا فلسفيا عن رفض المساومة على المبادئ ليعلمنا أن الاستقالة في الأوقات المفصلية هي انتصار للمبدأ على المنصب وشهادة فخر يعتز بها كل أردني ولم يتوقف عطاؤه عند حدود الكرسي بل بقي صوتا حرا يدافع عن حقوق الإنسان ويقود حراكات الإصلاح بصدق المعارض الذي يحمل قلب المسؤول ليثبت أن الوطني الحقيقي يبقى خادما لتراب بلاده من أي موقع كان .
لقد عاش العبيدات أردنيا بامتياز استمد أنفته من شموخ جبال عجلون وصلابة جبال البترا ورحابة سهول حوران وبقي حتى أنفاسه الأخيرة متمسكا بالثوابت مدافعا عن الهوية ومنحازا للإنسان دون أن يتغير لون خطابه بتغير الفصول السياسية
فنحن نودع اليوم جبلا لم تنل منه الريح ونكتب وداعنا لرجل لم يبع يوما صوته ولم يشتر يوما صمته فنم قرير العين يا أبا ثامر في ثرى الوطن الذي أحببت فقد أديت الأمانة وتركت لنا مدرسة في عزة النفس ونظافة اليد ستنهل منها الأجيال معنى أن يكون المرء إنسانا وموقفا















