+
أأ
-

العجارمة: استخدام الدين في أسماء الأحزاب يشكل قيداً على حرية المواطنين ويخالف الدستور

{title}
بلكي الإخباري

 أكد الخبير الدستوري والوزير الأسبق نوفان العجارمة، أن الأحزاب السياسية غير مسموح لها أن تتضمن دلالات ذات طابع ديني في أسمائها أو أهدافها، كون ذلك يشكل قيودًا على حرية المواطنين في الانضمام إليها وممارسة العمل السياسي.

وأوضح العجارمة، في تصريح عبر صفحته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الدلالات الدينية لا تُعد وسيلة للتمايز بين الأحزاب في برامجها وأهدافها، بل تمثل عائقًا أمام حرية المواطنين السياسية، مضيفًا أن الدين أمر مقدس وله مكانته في النفوس، لذا فإن إبعاد العقيدة عن التجاذبات السياسية ضرورة دستورية، لأن أي فشل سياسي يُحسب على الدين إذا تم ربطه بالحزب.

 

وأشار العجارمة إلى أن الأحزاب هي جماعات منظمة تهدف أساسًا إلى العمل بالوسائل الديمقراطية لكسب ثقة الناخبين والمشاركة في مسؤوليات الحكم لتحقيق برامج تهدف إلى التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وأكد أن التشابه أو التقارب بين الأحزاب في أهدافها وبرامجها يعد أمرًا واردًا ومرغوبًا.

وأضاف أن الدستور الأردني، في المادة (16)، يكفل حق المواطنين في تأسيس الأحزاب، دون إلزامهم بالانضمام إليها، ما يضمن حرية مباشرة الحقوق السياسية وفق مبدأ المواطنة. كما نصت المادة (17) على أن تكون الأحزاب ملتزمة بالمبادئ الأساسية للمجتمع الأردني، بما يشمل تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون، ومنع التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس.

وأوضح العجارمة أن قانون الأحزاب السياسية يشدد على أن تأسيس الأحزاب يكون وفق برنامجها وسياساتها، بعيدًا عن أي قيود مادية أو معنوية، وأن أي استخدام للدلالات الدينية لتحديد فئة معينة من المواطنين يُعد قيدًا على حقهم الدستوري في الانضمام إلى الأحزاب، وهو أمر غير مقبول دستوريًا.

وختم العجارمة بالقول إن الدولة تتعامل مع المواطنين على أساس المواطنة وليس العقيدة، وأن استخدام الدين كأداة صراع سياسي محظور، وأن هذا الإطار يضمن حرية التعبير والمشاركة السياسية للجميع دون تمييز.

 وتاليًا نص ما كتبه العجارمة:

الدلالات الدينية للأحزاب: بين الحرية السياسية والمشروعية الدستورية.

 

الأحزاب السياسية جماعات منظمة تعني أساساً بالعمل بالوسائل الديموقراطية للحصول على ثقة الناخبين بقصد المشاركة في مسؤوليات الحكم لتحقيق برامجها التي تستهدف الإسهام في تحقيق التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد، وهي أهداف وغايات كبرى تتعلق بصالح الوطن والمواطنين، ويفترض ان تتلاقى عندها الأحزاب السياسية الوطنية جميعها أو تتحاذى في بعض مناحيها، الأمر الذي يجعل التشابه أو التقارب بين الأحزاب السياسية في هذه الأهداف أمراً وارداً بل مطلوباً.

وقد نظم المشرع الدستوري الأردني الحق في تأسيس الأحزاب بموجب المادة (16) منه وقد نصت تلك المادة على ( على حق الأردنيين في تأليف الاحزاب السياسية) ولم يتضمن نص تلك المادة إلزام المواطنين بالانضمام إلى الأحزاب السياسية، أو تقييد مباشرة الحقوق السياسية المنصوص عليها في المواد(16) و (22) و (67) من الدستور بضرورة الانتماء الحزبي، مما يدلل بحكم اللزوم ، على تقرير حرية المواطن في الانضمام إلى الأحزاب السياسية أو عدم الانضمام إليها، وفي مباشرة حقوقه السياسية من خلال الأحزاب السياسية أو بعيداً عنها، ما دام أن النص الدستوري على كفالة هذه الحقوق السياسية، قد جاء رهيناً بصفة "المواطنة " للأردنيين فحسب طليقاً من أي قيد آخر .

والمستفاد من أحكام الدستور وهو حرية تكوين الأحزاب السياسية، وعلى ذلك فالقيود التي تضمنها الدستور او قانون الأحزاب السياسية إنما يتعين تفسيرها باعتبارها تنظيماً للأصل العام الذي قرره الدستور ومن ذلك الالتزام بما هو مقرر في شؤون التفسير بوجوب أن يلتزم هذا التنظيم بإطار الأصل العام المقرر كقاعدة أعلى في مدارج النصوص التشريعية، ولا يجوز باي حال، أن يخرج التنظيم عن الحدود المقررة له بالتطاول على الأصل الذي يستند إليه في قيامه سواء بالتوسعة فيه أو الانتقاص منه أو تقييده.

ونص المادة (17) من الدستور يقطع في دلالته بأن يكون النظام الحزبي دائراً في إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع الأردني ، ولا شك في أن مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون المنصوص عليهما في المادة (6) من الدستور هما – من المقومات والمبادئ الأساسية المعينة في هذا الشأن – يوجبان معاملة المنخرطين في الاحزاب معاملة قانونية واحدة وعلى أساس من تكافؤ الفرص للجميع دون أي تمييز يستند إل صفة أخرى كالدين او العرق او الجنس، إذ يعتبر التمييز في هذه الحالة قائماً على أساس غير موضوعي وهذا الأمر محظور دستورياً.

وبالرجوع الى الفقرة (2) من المادة (16) من الدستور نجدها اوجبت ان تكون غاية الأحزاب مشروعة ووسائلها سلمية (وذات نظم لا تخالف احكام الدستور) أي توجب تلك المادة ان يتوافق النظام الحزبي اسماً وتأليفاً واهدافاً وموارداً مع احكام الدستور، والمبادئ الواردة فيه، بما في ذلك مبدأي تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون المنصوص عليهما في المادة (6/1) من الدستور، والتي حظرت التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق او اللغة او الدين، لكي يكون للمواطنين جميعاً – الذي تتوافر فيهم الشروط القانونية – وبقدر متساوِ فيما بينهم – في تشكيل السياسية العامة للدولة ، فللمواطن آراؤه وأفكاره التي تنبع من قراره نفسه، ويطمئن إليها وجدانه، وأن وضع قيد مباشر او غير مباشر يحول دون انضمامه الى حزب سياسي معين ، او قصر الانضمام الى حزب سياسي على طائفه من المواطن دون غيرهم ، يتعارض مع حرية الرأي و التعبير المكفولة دستورياً ، وهي من الحريات الأساسية التي تحتمها طبيعة النظم الديموقراطية الحرة التي حرصت على توكيدها الدساتير الاردنية المتعاقبة وقررها الدستور الحالي في المادة (15) منه .

و قانون الأحزاب السياسية لم يشترط وجود اختلاف او تمايز – قائم على أسس غير موضوعية- في مبادئ وأهداف الحزب كشرط لتأسيسه أو استمراره، وذلك بقصد إفساح المجال لحرية تكوينها بل جاء الشرط مقصوراً على برنامج الحزب وسياساته أو أساليبه التي يسعى بها لتحقيق مبادئه وأهدافه ضماناً للجدية، وحتى يكون للحزب قاعدة جماهيرية حقيقية تسانده، وأن يكون في وجود الحزب إضافة جديدة للعمل السياسي من خلال برامجه و سياساته ، إثراءً للعمل الوطني ودعماً للممارسة الديموقراطية تبعاً لاختلاف البرامج والاتجاهات المتعلقة بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوسعة لنطاق المفاضلة بينها واختيار أصلح الحلول وأنسبها.

ان وضع دلالة دينية في اسم الحزب او مبادئه ، بما يستفاد منها قصره فئة محددة من المواطنين ولو من باب الترغيب، لا يعد من باب التمايز الظاهري في برنامج الحزب وسياساته أو أساليبه في تحقيق مبادئه وأهدافه عن الأحزاب الأخرى، بل قيداً، على الاقل معنوياً ، وهذا القيد او الدلالة الدينية، لا يدخل في نطاق التنظيم التشريعي الذي عهد به الدستور إلى القانون، ولا يتوافق ايضاً مع المادة (5/أ) من قانون الأحزاب والتي اوجبت ان - يؤسَّس الحزب على أساس المواطنة والمساواة بين الأردنيين والالتزام بالديمقراطية واحترام التعددية السياسية- وهذه حكم عام ومجرد ينطبق على جميع الأحزاب السياسية التي صدر القانون منظماً لها، دون أن يميز في مجال تطبيقه بين حزب وآخر، سواء عند نشوء الحزب أو كشرط لاستمراره وهذا الشرط مطلوب ابتداءً و انتهاءً .

لقد اخذ الدستور الأردني و قانون الأحزاب السياسية بمبدأ تعدد الأحزاب كأساس للنظام السياسي في الدولة، و يتوجب على جميع هذه الأحزاب الالتزام – سواء عند تكوينها أو في مجال ممارستها لعملها – بالمقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع الاردني المنصوص عليها في الدستور ومنها الالتزام بتعزيز قيم المواطنة والتسامح المنصوص عليه في المادة (6) من الدستور ، و إذ تبنى الدستور تعدد الأحزاب ليقوم على أساسه النظام السياسي في الدولة، يكون قد كفل بالضرورة حرية تكوينها في الإطار الذي رسمه لها، بما يستتبع حتماً ضمان حق الانضمام إليها، ذلك أنه من خلال ممارسة هذا الحق، وبه أساساً، يتشكل البنيان الطبيعي للحزب وتتأكد شرعية وجوده في واقع الحياة السياسية، وبالتالي فإن وضع اية قيود مادية او معنوية تؤدي الى الحرمان منه يشكل اعتداء على حق كفله الدستور.

أن القصص لا تقرأ من منتصفها، والدساتير لا تفسر نصوصها بمعزل عن بعضها البعض، فهي ليست جزر معزولة لا صلة ولا رابط بينها، فالنصوص الدستورية تفسر بالنظر إليها باعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها بعضا، بحيث لا يفسر أي نص منها بمعزل عن النصوص الأخرى ، فالأصل في النصوص الدستورية أنها تعمل في إطار وحدة عضوية تجعل من أحكامها نسيجا متآلفا ولكل نص منها مضمون محدد يستقل به عن غيره من النصوص استقلالا لا يعزلها عن بعضها البعض، ومن ثم، لا يجوز تفسير النصوص الدستورية بما يبتعد بها عن الغاية النهائية المقصودة منها ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة في الفراغ، أو باعتبارها قيما مثالية منفصلة عن محيطها الاجتماعي، لذلك يجب ان يقرأ الحكم الخاص او عبارة ( ذات نظم لا تخالف احكام الدستور ) الواردة في الفقرة (2) من المادة (16) من الدستور ، بشكل لا يعزلها عن باقي نصوص الدستور لاسيما المادتان (6) و (15) منه .

حاصل القول، يحظر على الأحزاب السياسية ان تضمّن دلالات ذات طابع ديني في اسمائها او أهدافها، كونها تشكل قيداً على حرية المواطنين في الانضمام الى تلك الأحزاب، ولا يمكن اعتبار الدلالات الدينية وسيلة للتمايز بين الأحزاب في الأهداف والبرامج، بقدر ما هي قيد على حرية المواطنين في ممارسة العمل السياسي وهذا يشكل اعتداء على أحد حقوق المكفولة دستورياً، فالعقيدة امر مقدس ولها مكانتها في النفوس، وابعاد الدين عن التجاذبات السياسية تقتضيه الضرورة، فعند الحكم باسم الدين، فأن أي فشل سياسي يُحسب على الدين نفسه، وبالتالي لا يجوز استخدام الدين كأداة صراع سياسي ، والدولة تتعامل مع الناس على أساس المواطنة لا العقيدة