رولا العمرو حين تهزم الروح القيد …. ويرحل الجسد منتصرا

في فلسفة الغياب لا يقاس العمر بالسنوات التي عشناها بل بالمسافة التي قطعناها بين الانكسار والقيامة واليوم ونحن نودع العقيد المتقاعد رولا العمرو نحن لا نرثي مجرد ضابطة أو ممرضة بل نؤبن أسطورة أردنية حية علمتنا أن الموت قد يخطئ موعده لكن الإرادة لا تخطئ طريقها أبدا
فقد بدأت حكاية رولا في ذلك الأربعاء الحزين من تشرين الثاني عام الفين وخمسة ليس كقصة موت بل كاختبار كوني للصمود في تلك اللحظة التي اختلطت فيها دماء الفرح بدخان الغدر حيث تشوهت الملامح وغاب النبض وحملت الجثة المفترضة إلى المشرحة لتعيش رولا فلسفيا ما يمكن تسميته بالموت الأول وتعود بصعقة كهربائية لم تكن لإحياء القلب فحسب بل كانت إيذانا بميلاد إنسانة ستقهر المستحيل عادت بجسد مثقل بالشظايا وشلل رباعي لكنها عادت بروح لم تجد الشظايا إليها سبيلا.
انتقلت رولا من دور الممرضة التي تداوي الجراح إلى الجريحة التي تحتاج المداواة وهنا تكمن العظمة الكبرى فلم تستسلم لسرير الشفاء الذي امتد لعامين بل حولت الألم إلى وقود علمي فذهبت إلى بريطانيا وحيدة غريبة وعلى كرسي متحرك لتعود حاملة درجة الماجستير في علاج الإصابات البليغة مجسدة المقولة الفلسفية التي تؤكد أن ما لا يقتلك يجعلك أقوى فلم تدرس الطب والتمريض في الكتب فقط بل درسته في نخاع عظمها وفي صمود عمودها الفقري الذي أبى إلا أن يظل شامخا رغم الإصابة لتعود بعدها إلى ميادين الخدمات الطبية الملكية لا لتطلب عطفا بل لتمنح قوة وتزرع في نفوس الأجيال من الممرضات معاني الجندية الحقة فكانت إعاقتها وساما معلقا على صدر صبرها وفي صوتها بحة الأردنيين الصادقين وفي محياها ابتسامة تقول للقدر إن محاولات الكسر لم تزدها إلا صياغة جديدة للحياة
اليوم تترجل الفارس رولا العمرو عن صهوة كرسيها لتصعد روحها إلى بارئها ترحل وقد تركت خلفها درسا بليغا في الأنطولوجيا البشرية وهو أن الجسد قد يشل لكن الرؤية تظل ثاقبة وأن القلب الذي توقف يوما في عام الفين وخمسة استمر ينبض بالعطاء لعشرين عاما أخرى ليثبت أن الحياة قرار وليست مجرد صدفة بيولوجية فنمي قريرة العين يا ابنة الكرك ويا ابنة الجيش العربي فقد أديت الأمانة وعلمتنا أن الانكسار هو بداية الصعود وأن الوفاء للوطن لا يحتاج إلى أقدام تسعى بل إلى أرواح تحلق في سماء المجد والخلود















